بّسم الله الرّحمن الرّحيم
تاريخ المدينة المنورة
استيلاء الأوس والخزرج على المدينة

ذكر من قتل اليهود واستيلاء الأوس والخزرج على المدينة
لما نجم مالك بن العجلان سودة الجنان عليهما فبعث هو وجماعة قومه إلى من وقع بالشام من قومهم يخبرونهم حالهم، ويشكون إليهم غلبة اليهود لهم، وكان رسولهم الرمق بن زيد بن امرئ القيس أحد بني سالم بن عوف بن الخزرج، وكان قبيحاً ذميماً، شاعراً بليغاً، فمضى حتى قدم الشام على ملك من ملوك غسان الذين ساروا من يثرب إلى الشام يقال له أبو حبيلة من ولد حفنة بن عمرو بن عامر. وقيل: أحد بني جشم بن الخزرج، وكان قد اصاب ملكاً بالشام وشرفاً، فشكا إليهم الرمق حالهم وغلبة اليهود لهم وما يتخوفون منهم وأنهم يخشون أن يخرجوهم، فأقبل أبو حبيلة في جمع كثير لنصرة الأوس والخزرج، وعاهد الله أن لا يبرح حتى يخرج من بها من اليهود ويذلهم أو يصيرهم تحت أيدي الأوس والخزرج، فسار وأظهر أنه يريد اليمن حتى قدم المدينة وهي يومئذ يثرب فلقيه الأوس والخزرج وأعلمهم ما جاء به فقالوا: إن علم القوم ما تريد تحصنوا في آطامهم فلم نقدر عليهم، ولكن ندعوهم للقائك وتلطفهم حتى يأمنوك ويطمئنوا فنتمكن منهم، فصنع لهم طعاماً وأرسل إلى وجوههم ورؤسائهم فلم يبق من وجوههم أحد إلا أتاه، وجعل الرجل منهم يأتي بحاشيته وحشمه رجاء أن يحبوهم الملك، وكان قد بنى لهم حيزاً وجعل فيها قوماً وأمرهم من دخل عليهم منهم أن يقتلوه حتى أتى على وجوههم ورؤسائهم، فلما فعل ذلك عزت الأوس والخزرج بالمدينة، واتخذوا الديار والأموال وانصرف أبو حبيلة وتفرقت الأوس والخزرج في عالية المدينة وسافلها، وكان منهم من جاء إلى عفاء من الأرض لا ساكن فيه فنزله، ومنهم من لجأ إلى قرية من قراها واتخذ الأموال والآطام، وكان ما ابتنوا من الآطام مائة وسبعة وعشرين أطماً، وأقاموا كلمتهم واحدة وأمرهم مجتمع، ثم دخلت بينهم حروب عظام وكانت لهم أيام ومواطن وأشعار، فلم تزل تلك الحروب بينهم حتى بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم فأكرمهم الله باتباعه، والأوس والخزرج حيان ينسبان إلى قحطان، لأن من قحطان افترقت سبع وعشرون قبيلة منهم الأوس والخزرج، وهما الأنصار وهو جمع نصير، وسموا أنصاراً حين آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه، وعنه صلى الله عليه وسلم: ( أسلمت الملائكة طوعاً، والأوس والخزرج طوعاً، وجميع العرب كرهاً ).

ذكر ما جاء في فتح المدينة الشريفة
قالت عائشة رضي الله عنها: كل البلاد افتتحت بالسيف، وافتتحت المدينة بالقرآن.
قال الحافظ محب الدين بن النجار في تاريخه: فالمدينة الشريفة لم تفتح بقتال إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في كل موسم على قبائل العرب ويقول: ( ألا رجل يحملني إلى قومه فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ). فيأبونه ويقولون له: قوم الرجل أعلم به. حتى لقي في بعض السنين عند العقبة نفراً من الأوس والخزرج قدموا في المنافرة التي كانت بينهم فقال لهم: ( من أنتم ). قالوا: نفر من الخزرج. قال: ( أمن موالي يهود ). قالوا: نعم. قال: ( أفلا تجلسون كلكم ) قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن وكانوا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا إذا كان بينهم وبين اليهود الذين معهم بالمدينة شيء قالت اليهود لهم وكانوا أصحاب كتاب وعلم : إن النبي مبعوث الآن وقد أظل زمانه فنتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله أنه النبي الذي توعدكم به يهود فلا سبقتكم إليه فاغتنموه وآمنوا به، فأجابوه فيما دعاهم إليه وصدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: لقد تركنا قومنا وبينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم وندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا وكانوا ستة: سعد بن زرارة وهو جد النقباء في العقبة الأولى والثانية، وعوف بن عفراء " عفراء هي أمه وأبوه الحارث بن رفاعة "، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رئاب، فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جرى لهم ودعوهم إلى الإسلام ففشا فيهم حتى لم يبق دار إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ذكر، فلما كان العام المقبل وافى الموسم منهم اثنا عشر رجلاً فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوه، فلما انصرفوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير إلى المدينة وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، وكان منزله على سعد بن زرارة، ولقيه في الموسم الآخر سبعون رجلاً من الأنصار منهم امرأتان فبايعوه، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى المدينة ثم خرج إلى الغار بعد ذلك ثم توجه هو وأبو بكر رضي الله عنه إلى المدينة.

مختصر: تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام لابن الضياء