بّسم الله الرّحمن الرّحيم
تاريخ المدينة المنورة
حرمة المدينة المشرفة وطيب غبارها

قال البراء بن عازب: أول من قدم علينا المدينة مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانا يقرئان الناس، ثم قدم عمار بن ياسر وبلال ثم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدم النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قالت عائشة: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال قالت: فدخلت عليهما فقلت: يا ابت كيف تجدك ، ويا بلال كيف تجدك ، قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مـصبح في أهله * * والموت أدنى من شراك نعله
وذكر أبو عبد الله المرزباني: أن هذا البيت لحكيم بن الحارث بن نهيك النهشلي وكان جاهلياً، قيل: يوم الوقيظ وهو يوم كان لبني قيس بن ثعلبة على بني تميم وكان حكيم ينشده في ذلك اليوم وهو يقاتل وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته فيقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة * * بواد وحولي إذخـر وجليل
وهل أردن يوماً مياه مجنة * * وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: ( اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها واجعلها بالجحفة ). قال أهل السير: وأقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل معه على كلثوم بن الهدم، ولم يبق بمكة إلا من حبسه أهله أو فتنوه. وعن زيد بن أسلم عن أبيه في قوله عز وجل: ( وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ). قال: جعل الله مدخل صدق المدينة، ومخرج صدق مكة، وسلطاناً نصيراً الأنصار. وقيل: أدخلني يعني غار ثور مدخل صدق، وأخرجني يعني منه إلى المدينة مخرج صدق وقيل: غير ذلك. والله أعلم.

ذكر حرمة المدينة المشرفة
روى القاضي عياض في "الشفاء": أن مالك بن أنس رضي الله عنه كان لا يركب في المدينة دابة، وكان يقول: أستحيي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحافر دابتي. وروي أنه وهب للشافعي رحمه الله كراعاً كثيراً كان عنده فقال له الشافعي: أمسك منها دابة فأجابه بمثل هذا الجواب. وكان قد أفتى مالك رحمه الله فيمن قال: تربة المدينة رديئة. بضرب ثلاثين درة وأمر بحبسه وكان له قدر، وقال: ما أحوجه إلى ضرب عنقه تربة دفن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم يزعم أنها غير طيبة.
وعن الزهري أنه قال: إذا كان يوم القيامة رفع الله تعالى الكعبة البيت الحرام إلى البيت المقدس فتمر بقبر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فتقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فيقول عليه السلام: "وعليك السلام يا كعبة الله ما حال أمتي? فتقول: يا محمد أما من وفد إليّ من أمتك فأنا القائمة بشأنه، وأما من لم يفد إليّ من أمتك فأنت القائم بشأنه". رواه أبو سعيد الموصلي في باب رفع الكعبة المشرفة إلى البيت المقدس.
فانظر لسر زيارة البيت الحرام للنبي عليه السلام ودخول الكعبة المشرفة مدينة خير الأنام وكفى بهذا الشرف تعظيماً.
قال الشيخ عبد الله المرجاني في "بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة المختار": لما جرى سابق شرفها في القدم أخذ من تربتها حين خلق آدم فأوجد الموجد وجودها من بعد العدم. قال أهل السير: إن الله تعالى لما خمر طينة آدم عليه السلام حين أراد خلقه أمر جبريل أن يأتيه بالقبضة البيضاء التي هي قلب الأرض وبهاؤها ونورها؛ ليخلق منها محمداً صلى الله عليه وسلم فهبط جبريل في ملائكة الفراديس المقربين وملائكة الصفح الأعلى، فقبض قبضة من موضع قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي يومئذ بيضاء نقية، فعجنت بماء التسنيم ورعرعت حتى صارت كالدرة البيضاء ثم غمست في أنهار الجنة كلها، وطيف بها في السماوات والأرض والبحار، فعرفت الملائكة حينئذ محمداً صلى الله عليه وسلم وفضله قبل أن تعرف آدم وفضله، ثم عجنت بطينة آدم بعد ذلك، ولا يخلق ذلك الجسد إلا من أفضل بقاع الأرض. حكاه الثعلبي.
وحكى أبو عبيد الجرهمي وكان كبير السن عالماً بأخبار الأمم : أن تبعاً الأصغر وهو تبع بن حسان بن تبع سار إلى يثرب فنزل في سفح جبل أحد، وذهب إلى اليهود وقتل منهم ثلاثمائة وخمسين رجلاً صبراً وأراد إخرابها، فقام إليه حبر من اليهود فقال له: أيها الملك مثلك لا يقبل على الغضب ولا يقبل قول الزور وأنت لا تستطيع أن تخرب هذه القرية. قال: ولم? قال: لأنها مهاجر نبي من ولد إسماعيل يخرج من هذه البنية يعني البيت الحرام فكف تبع ومضى إلى مكة ومعه هذا اليهودي ورجل آخر عالم من اليهود، فكسا البيت الحرام كسوة ونحر عنده ستة آلاف جزور وأطعم الناس، ولم يزل بعد ذلك يحوط المدينة الشريفة ويعظمها.
ويروى أن سليمان عليه السلام لما حملته الريح من اصطخر على ممره بوادي النمل سار إلى اليمن فتوغل في البادية فسلك مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال سليمان عليه السلام: هذه دار هجرة نبي في آخر الزمان طوبى لمن آمن به واتبعه. فقال له قوم: كم بيننا وبين خروجه? قال: زهاء ألف عام. ووادي النمل هو وادي السديرة بأرض الطائف من أرض الحجاز. قاله كعب. وقيل: هو بالشام.
وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدران المدينة أوضع راحلته، وإن كان على دابة حركها. وعن أبي هريرة قال: يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة. قال الترمذي: حديث حسن.
روى عن سفيان بن عيينة أنه قال: هو مالك بن أنس رضي الله عنه. وعن عبد الرزاق أنه قال: هو العمري الزاهد. قال التوربشتي في "شرح المصابيح": وما ذكره ابن عيينة، وعبد الرزاق فهو محمول منهما على غلبة الظن دون القطع به، وقد كان مالك رحمه الله حقيقاً بهذا الظن فإنه كان إمام دار الهجرة والمرجوع بها إليه في علم الفتيا، وكذا العمري الزاهد وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد كان الشيخ وحده وكان من عباد الله الصالحين المشائين في عباده وبلاده بالنصيحة، ولقد بلغنا أنه كان يخرج إلى البادية؛ ليتفقد أحوال أهلها شفقة منه عليهم أو ألحق النصيحة فيهم فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكان يقول لعلماء المدينة: شغلكم طلب الجاه وحب الرياسة عن توفية العلم حقه في إخوانكم من المسلمين، تركتموهم في البوادي والفلوات يعمهون في أودية الجهل ومتيهة الضلال، أو كلاماً هذا معناه.
قال التوربشتي: ولو جاز لنا أن نتجاوز الظن في مثل هذه القضية لكان قولنا إنه عمر أولى من قوله إنه لعمري مع القطع به فقد لبث بالمدينة أعواماً يجتهد في تمهيد الشرع وتبين الأحكام، ولقد شهد له أعلام الصحابة بالتفوق في العلم حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه يوم استشهد عمر رضي الله عنه: لقد دفن بموته تسعة أعشار العلم. انتهى.
قال العفيف المرجاني: سمعت والدي يقول: كنت ذات يوم جالساً في البستان فإذا بمقدار ثلاثين أو أربعين فارساً لابسين ثياباً معممين ملثمين جميعهم قاصدين المدينة، فاتبعتهم في أثرهم فلم أجد لهم خبراً، فسألت عنهم فلم أجد من يخبرني عنهم بخبر ولم أجد لهم أثراً، فعلمت أنهم من الملائكة أو من مؤمني الجن أو صالحي الإنس أتوا لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم قال: والبستان اليوم باق معروف بالمرجانية بالقرب من المصلى. قال العفيف: وسمعته يقول: من بركة أرض المدينة أني زرعت بالبستان بطيخاً أخضر فلما استوى أتاني بعض الفقراء من أصحابي فأشاروا إلى بطيخة قد انتهت وقالوا: هذه لا تتصرف فيها هي لنا إلى اليوم الفلاني. فلما خرجوا أتى من قطعها ولم أعلم فتشوشت من ذلك ونظرت فإذا بنوارة قد طلعت مكان تلك البطيخة وعقدت بطيخة فلم يأت يوم وعد الفقراء إلا وهي أكبر من الأولى فأتوا وأكلوها ولم يشكوا أنها الأولى. وقال العفيف في "تاريخه" أيضاً: سمعت والدي يقول: سحرت امرأة من أهل اليمن زوجها وغيرت صورته، واتفق لهم حكاية طويلة ثم شفع فيه بعض الناس فقالت امرأته: لا بد أن أترك فيه علامة فأطلقته بعد أن نبت له ذنب كذنب الحمار، فحج وهو على تلك الحالة فشكا ذلك إلى أبي عبد الله محمد بن يحيى الغرناطي فقيه كان بمكة فأمره بالسفر إلى المدينة، فسافر في طريق المشيان إليها قال: فعند وصوله إلى قباء سقط منه ذلك الذنب بإذن الله تعالى.

ما جاء في غبار المدينة الشريفة
تقدم في باب الفضائل حديث: " غبار المدينة شفاء من الجذام ". وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دنا من المدينة منصرفاً من تبوك خرج إليه يتلقاه أهل المدينة من المشايخ والغلمان، ثار من آثارهم غبرة فخمر بعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفه من الغبار، فمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فأماطها عن وجهه، وقال: " أما علمت أن عجوة المدينة شفاء من السم، وغبارها شفاء من الجذام ".
وعن إبراهيم بن الجهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني الحارث فإذا هم وؤباء، فقال: " ما لكم يا بني الحارث وؤبى " قالوا: نعم يا رسول الله أصابتنا هذه الحمى. قال: " فأين أنتم عن صعيب " قالوا: يا رسول الله ما نصنع به ، قال: " تأخذون من ترابه فتجعلونه في ماء ثم يتفل عليه أحدكم ويقول: بسم الله تربة أرضنا، بريق بعضنا، شفاء لمريضنا بإذن ربنا " ففعلوا فتركتهم الحمى. قال أبو القاسم طاهر بن يحيى العلوي: صعيب وادي بطحان دون الماجشونية وفيه حفرة يأخذ الناس منها، وهو اليوم إذ أوبأ إنسان يأخذ منها. قال الحافظ محب الدين بن النجار: رأيت هذه الحفرة والناس يأخذون منها وذكروا أنهم قد جربوه فوجدوه صحيحاً. قال: وأخذت أنا منها أيضاً. وبطحان بضم الباء وسكون الطاء المهملة سمي بذلك لسعته وانبساطه من البطح وهو البسط، قاله أبو عبيد القاسم بن سلام. وعن ابن سلمان أن رجلاً أتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرجله قرحة فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم طرف الحصير ثم وضع أصبعه التي تلي الإبهام على التراب بعدما مسها بريقه فقال: " بسم الله، بريق بعضنا، بتربة أرضنا، يشفي سقيمنا بإذن ربنا "، ثم وضع أصبعه على القرحة فكأنما حلّ من عقال.

مختصر: تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام لابن الضياء