بّسم الله الرّحمن الرّحيم
تاريخ المدينة المنورة
ذكر عين النبي صلى الله عليه وسلم

عن طلحة بن خراش قال: كانوا أيام الخندق يحفرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخافون عليه فيدخلون به كهف بني حزام فيبيت فيه حتى إذا أصبح هبط، قال: ونقر رسول الله صلى الله عليه وسلم العيينة التي عند الكهف فلم تزل تجري حتى اليوم. قال الحافظ محب الدين: وهذه العين في ظاهر المدينة وعليها بناء، وهي مقابلة المصلى. قال الشيخ جمال الدين: أما الكهف الذي ذكره ابن النجار فمعروف على غربي جبل يبلغ عن يمين إلى ساحل الفتح من الطريق القبلية، وعلى يسار السالك إلى المدينة الشريفة إذا زار المسجد وسلك المدينة مستقبل القبلة يقابله حديقة نخل تعرف بالغنيمة في بطن وادي بطحان غربي جبل سلع، وفي هذا الوادي عين تأتي من عوالي المدينة تسقي ما حول المساجد من المزارع والنخيل تعرف بعين الخيف خيف شامي، وتعرف تلك الناحية بالسيح بالسين المهملة بعدها ياء مثناة من أسفل وحاء مهملة، وأما العين التي ذكر الشيخ محب الدين المقابلة للمصلي فهي عين الأزرق وهو مروان بن الحكم، التي "خرجها" بأمر معاوية رضي الله عنه وهو واليه على المدينة، وأصلها من قباء من بئر كبيرة غربي مسجد قباء في حديقة "نخل"، والقبة مقسومة نصفين يخرج الماء منها من وجهين مدرجين، وجه قبلي والآخر شمالي يغتسل فيهما وينتفع بهما، وتخرج العين من "القبلة" من جهة المشرق ثم تأخذ إلى جهة الشمال، وأخذ الأمير سيف الدين الحسين بن أبي الهيجاء في حدود الستين وخمسمائة منها شعبة من عند مخرجها من القبلة، فساقها إلى باب المدينة الشريفة باب المصلى، ثم أوصلها إلى الرحبة التي عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة باب السلام المعروف قديماً بباب مروان، وبنى لها منهلاً بدرج من تحت الدور يستقى منه أهل المدينة، وذلك الموضع موضع سوق المدينة الآن، ثم جعل لها "مصرفين" تحت الأرض تشق وسط المدينة على البلاط ثم تخرج على ظاهر المدينة من جهة الشمال شرقي حصن أمير المدينة، وجعل مها شعبة صغيرة تدخل إلى صحن المسجد الشريف أزيلت كما سيأتي ذكره في الفصل السادس إن شاء الله تعالى.
واعلم أن العين إذا خرجت من القبة التي في المصلى سارت إلى جهة الشمال حتى تصل إلى سور المدينة فتدخل من تحته إلى منهل آخر بوجهين مدرجين، ثم تخرج إلى خارج المدينة الشريفة فتصل إلى منهل آخر بوجهين عند قبر النفس الزكية، ثم تخرج من هناك وتجتمع هي وما يتحصل من فضلها في قناة واحدة إلى البركة التي ينزلها الحجاج، ثم قال رحمه الله تعالى: وأما عين النبي صلى الله عليه وسلم التي ذكر ابن النجار فليست تعرف اليوم، وإن كانت كما ذكر قال: عند الكهف المذكور فقد دثرت وعفا أثرها.

مختصر: تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام لابن الضياء