بّسم الله الرّحمن الرّحيم
تاريخ المدينة المنورة
الزيادة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم

ذكر زيادة عمر بن الخطاب في المسجد الشريف
يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إني أريد أن أزيد في المسجد ما زدت فيه ". وعن سلمة بن خباب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوماً وهو في مصلاه في المسجد: " لو زدنا في مسجدنا وأشار بيده نحو القبلة " فأجلسوا رجلاً في موضع مصلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم رفعوا يد الرجل وحطوها حتى رأوا أن ذلك نحو ما رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يده، ثم مدوا ميقاطاً فوضعوا أطرافه بيد الرجل ثم مدوه، فلم يزالوا يقدمونه ويؤخرونه حتى رأوا أن ذلك شبيه لما أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم من الزيادة، فقدم عمر القبلة فكان موضع جدار عمر رضي الله عنه في موضع عيدان المقصورة، وكان صاحب المقصورة في زمان الصحابة السائب بن خباب مولى قريش، وقيل: مولى فاطمة بنت عتبة.
قال أهل السير: كان بين المنبر وبين الجدار بقدر ما تمر شاة، فأخذ عمر رضي الله عنه موضع المقصورة وزاد في يمين القبلة، فصار طول المسجد الشريف أربعين ومائة ذراع، وعرضه عشرين ومائة، وطول السقف أحد عشر ذراعاً، وسقفه جريد ذراعان، وبنى فوق ظهر المسجد سترة ثلاثة اذرع، وبنى أساسه بالحجارة إلى أن بلغ قامة، وجعل له ستة أبواب؛ بابين عن يمين القبلة، وبابين عن يسارها، ولم يغير باب عاتكة، ولا الباب الذي كان يدخل منه النبي صلى الله عليه وسلم، وفتح باباً عند دار مروان بن الحكم، وبابين في مؤخر المسجد. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو بنى هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي ". وروى غيره مرفوعاً قال: " هذا مسجد وما زيد فيه فهو منه ولو بلغ صنعاء كان مسجدي " وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لو زيد في هذا المسجد ما زيد لكان الكل مسجدي ". ومد عمر رضي الله عنه فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الزيادة دار العباس بن عبد المطلب وهبها للمسلمين واشترى نصف موضع كان خطه النبي صلى الله عليه وسلم فزاده في المسجد وبناه على بنيانه الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد وأعاد عمده خشباً.

ذكر زيادة عثمان رضي الله عنه
في صحيح البخاري كان عثمان رضي الله عنه ولى الخلافة سنة أربع وعشرين، فلما بلغت خلافته أربع سنين كلمه الناس في الزيادة وشكوا إليه ضيق المسجد يوم الجمعة، فشاور عثمان رضي الله عنه أهل الرأي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وزاد في المسجد زيادة كثيرة وبنة جداره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة حشوها أعمدة الحديد والرصاص، وسقفه بالساج، وباشر ذلك بنفسه، وكان عمله في أول ربيع الآخر سنة تسع وعشرين، وفرغ منه حين دخلت السنة لهلال المحرم سنة ثلاثين، وكان عمله عشرة أشهر، وزاد في القبلة إلى موضع الجدار اليوم، وزاد فيه من المغرب إسطواناً بعد المربعة، وزاد فيه من الشام خمسين ذراعاً، ولم يزد من الشرق شيئاً، وقدر زيد بن ثابت أساطينه فجعلها على قدر النخل، وجعل فيها طبقين مما يلي المشرق والمغرب، وبنى المقصورة بلبن وجعل فيها كوة ينظر الناس فيها إلى الأمام، وجعل طول المسجد الشريف ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل أبوابه ستة على ما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب عاتكة، والباب الذي يليه، وباب مروان، وباب النبي صلى الله عليه وسلم، وبابين في آخره.

ذكر زيادة الوليد بن عبد الملك بن مروان
وذلك أنه لما استعمل عمر بن عبد العزبز على المدينة الشريفة أمره بالزيادة في المسجد، فاشترى عمر ما حوله من المشرق والمغرب والشام، ومن أبى أن يبيع هدم عليه ووضع له الثمن، فلما صار إلى القبلة قال عبيد الله بن عبد الله بن عمر: لسنا نبيع هذا هو في حق حفصة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسكنها، فلما كثر الكلام بينهما قال له عمر بن عبد العزيز: أجعل لكم في المسجد باباً وأعطيكم دار الرفق، وما بقي من الدراهم فهي لكم يعني التي تفضل من العمارة ففعلوا، فأخرج بابهم في المسجد وهي الخوخة التي تخرج من دار حفصة رضي الله عنها، وقدم الجدار في موضعه اليوم، وزاد من الشرق ما بين الاسطوانة المربعة إلى جدار المسجد، ومعه عشرة أساطين من مربعة القبر الشريف إلى الرحبة وإلى الشام، ومد من المغرب إسطوانتين، وأدخل فيه حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبيت فاطمة رضي الله عنها وأدخل فيه دور عبد الرحمن بن عوف، ودار عبد الله بن مسعود، وأدخل فيه من المغرب دار طلحة بن عبد الله، ودار سبرة بن أبي رهم، ودار عمار بن ياسر، وبعض دار العباس وعلم ما دخل منها فجعل سائر سواريها التي تلي السقف أعظم من غيرها من السواري، وبعث الوليد بن عبد الملك إلى ملك الروم إنا نريد أن نعمل مسجد نبينا الأعظم صلى الله عليه وسلم فأعنا فيه بعمال وفسيفساء وهي الفصوص المزججة المذهبة فبعث إليه بأربعين من الروم، وبأربعين من النبط، وبأربعين ألف مثقال عوناً له، وبأجمال فسيفساء، وسلاسل القناديل اليوم، وهدم عمر المسجد وأخمد النورة التي يعمل منها الفسيفساء سنة، وحمل القصة من النخل، وعمل الأساس بالحجارة والجدار بالحجارة المنقوشة المطابقة، وجعل عمد المسجد حجارة حشوها عمد الحديد والرصاص، وجعل طوله مائتي ذراع، وعرضه من مقدمه مائتي ذراع، ومن مؤخره مائة وثمانين ذراعاً، وعمله بالفسيفساء والمرمر، وسقفه بالساج وماء الذهب، وأدخل الحجرات والقبر المقدس في المسجد ونقل لبن الحجرات فبنى به داره في الحرة. قال الحافظ محب الدين: فهو بها لليوم له بياض على اللبن. وقال الذين عملوا الفسيفساء: إنما عملنا على ما وجدنا من صور شجر الجنة وقصورها، وكان عمر بن عبد العزيز إذا عمل العامل الشجرة الكبيرة من الفسيفساء وأحسن عملها نفله ثلاثين درهماً، وكانت زيادة الوليد من المشرق ستة أساطين، وزاد من الشام الاسطوانة المربعة التي في القبر الشريف أربعة عشر إسطواناً، منها عشرة في الرحبة، وأربعة في السقايف الأولى التي كانت قبل، وزاد في الإسطوانة التي دون المربعة إلى المشرق أربع أساطين، وأدخل بيت النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، وبقي ثلاثة أساطين في السقايف، وجعل للمسجد في أربع زواياه أربع منارات، وكانت الرابعة مطلة على دار مروان، فلما حج سليمان بن عبد الملك أذن المؤذن فأطل عليه فأمر بها فهدمت، وأمر عمر بن عبد العزيز حين بنى المسجد بأسفل الأساطين فجعل قدر سترة اثنين يصليان إيها، وقدر مجلس اثنين يستندان إليها، ولما صار إلى جدار القبلة دعا مشايخه من أهل المدينة من قريش والأنصار والعرب والموالي فقال: احضروا بنيان قبلتكم، لا تقولوا غير عمر قبلتنا فجعل لا ينزع حجراً إلا وضع حجراً. وهو أول من أحدث الشرافات والمحراب وعمل بالميازيب من رصاص، ولم يبق منها إلا ميزابان، أحدهما في موضع الجنائز، والآخر على الباب الذي يدخل منه أهل السوق يعني باب عاتكة، وعمل المقصورة من ساج، وجعل للمسجد عشرين باباً وكان هدمه للمسجد في سنة إحدى وتسعين ومكث في بنيانه ثلاث سنين، فلما قدم الوليد بن عبد الملك حاجاً جعل ينظر إلى البنيان فقال حين رأى سقف المقصورة: ألا عملت السقف مثل هذا ، فقال: يا أمير المؤمنين إذا تعظم النفقة جداً فقال: وإن كان، وكانت النفقة في ذلك أربعين ألف مثقال، ولما استنفد الوليد النظر إلى المسجد التفت إلى أبان بن عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال: أين بنياننا من بنيانكم ، فقال: إنا بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس.
وقال الحافظ محب الدين: وخلا في بعض الأيام المسجد فقال بعض الروم: لأبولن على قبر نبيهم، فنهاه أصحابه فلم يقبل فلما هم اقتلع حجر فألقي على رأسه فانتثر دماغه، فأسلم بعض أولئك النصارى، وعمل أحدهم على رأس خمس طاقات من جدار القبلة في صحن المسجد صورة خنزير فظهر عليه عمر بن عبد العزيز فأمر به فضربت عنقه، وكان عمل القبط مقدم المسجد، والروم ما خرج من الصقف من جوانبه ومؤخره، وأراد عمر بن عبد العزيز أن يعمل على كل باب سلسلة تمنع الدواب، فعمل واحدة في باب مروان، ثم بدا له عن البواقي، واقام الحرس فيه يمنعون الناس من الصلاة على الجنائز فيه. قال الحافظ محب الدين: والسنة في الجنائز باقية إلى يومنا هذا إلا في حق العلويين والأمراء وغيرهم من الأعيان، والباقون يصلى عليهم خلف الحائط الشرقي، إذا وقف الإمام على الجنازة كان النبي صلى الله عليه وسلم على يمينه. وقال عفيف الدين المرجاني: وكذلك الأمر باق إلى هذا التاريخ، والوليد بن عبد الملك هو الذي بنى مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد دمشق والمسجد الأقصى وقبة الصخرة، وأنفق على مسجد دمشق أحد عشر ألف ألف مثقال ونيفاً، وقيل: أنفق عليه خراج الدنيا ثلاث دفعات، وهو أول من نقل إلى مكة أساطين الرخام مدة خلافته عشر سنين وتسعة أشهر، وتوفي بدير مروان وحمل إلى دمشق فدفن في مقبرة الفراديس، وكان مسجد دمشق للصابئين، ثم صار لليونانيين، ثم صار لليهود، وفي ذلك الزمان قتل يحيى بن زكريا ونصب رأسه على باب حيرون، وعليه نصب رأس الحسين، ثم غلبت عليه النصارى ثم غلبت عليه المسلمون.

ذكر زيادة المهدي
وذلك أنه لما ولي الخلافة آخر ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين ومائة شرع في بناء المسجد الحرام ومسجد المدينة المشرفة على ما هما عليه اليوم، وبنى بيت المقدس وقد كان هدمته الزلازل، وحج في سنة ستين ومائة، واستعمل في هذه السنة على المدينة جعفر بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن عباس وأمره بالزيادة في المسجد النبوي، وولاه بناءه هو وعاصم بن عمر بن عبد العزيز، وعبد الملك بن شبيب الغساني فزادوا في المسجد من جهة الشام إلى منتهاه اليوم، فكانت زيادته مائة ذراع، ولم يزد فيه من الشرق والغرب شيئاً، ثم سد على آل عمر خوختهم التي في دار حفصة، فكثر كلامهم، فصالحهم على أن يخفض المقصورة ذراعين، وزاد في المسجد لتلك الخوخة ثلاث درجات، وحفر الخوخة حتى صارت تحت المقصورة وجعل عليها في جدار القبلة شباك حديد فهو عليها اليوم، وكان الذي دخل في المسجد من الدور؛ دار عبد الرحمن بن عوف، ودار شرحبيل، وبقية دار عبد الله بن مسعود، ودار المسور بن مخرمة، وفرغ من بنيانه سنة خمس وستين ومائة، وكان ابتداؤه سنة اثنين وستين ومائة، وعرض منقبته مما يلي المشرق ذراعان وأربع أصابع وهو أعرضها؛ لأنه من ناحية السيل.

مختصر: تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام لابن الضياء