بّسم الله الرّحمن الرّحيم
تاريخ المدينة المنورة
الخوخ والأبواب التي كانت في المسجد الشريف

الخوخ والأبواب التي كانت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال الشيخ جمال الدين: اعلم أن الخوخة التي تحت الأرض ولها شباك في القبلة وطابق مقفل يفتح أيام الحاج، وهي طريق آل عبد الله بن عمر رضي الله عنهم إلى دارهم التي تسمى اليوم دار العشرة، وإنما هي دار آل عبد الله بن عمر، وكان بيت حفصة رضي الله عنها قد صار إلى آل عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين، فلما أدخل عمر بن عبد العزيز بيت حفصة في المسجد جعل لهم طريقاً في المسجد وفتح لهم حائطاً في الحائط القبلي، يدخلون منه إلى المسجد ولم يزل كذلك حتى عمل المهدي بن المنصور المقصورة على الرواقين، فسد الباب وجعل لهم شباكاً حديداً، وحفر لهم من تحت الأرض طريقاً يخرج إلى خارج المقصورة، فهي هذه الموجودة اليوم وهي إلى الآن بيد آل عبد الله بن عمر رضي الله عنهم وأما خوخة أبي بكر رضي الله عنه فإن باب أبي بكر كان في غربي المسجد، ونقل أيضاً أنه كان قريباً من المنبر، ولما زاد في المسجد إلى عمده من المغرب نقلوا الخوخة، وجعلوها في مثل مكانها الأول، كما نقل باب عثمان رضي الله عنه إلى موضعه اليوم.
قال الشيخ جمال الدين: وباب خوخة أبي بكر رضي الله عنه اليوم هو باب خزانة لبعض حواصل المسجد، إذا دخلت من باب السلام كانت على يسارك قريباً من الباب.
وأما أبواب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذلك أنه لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده أولاً جعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، وباب عاتكة، وباب الرحمة، والباب الذي كان يدخل منه صلى الله عليه وسلم وهو باب عثمان رضي الله عنه المعروف اليوم بباب جبريل عليه السلام.
قال الحافظ محب الدين: روى عن ربيعة بن عثمان قال: لم يبق من الأبواب التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل منها إلا باب عثمان رضي الله عنه.
قال الشيخ جمال الدين: فلما بنى الوليد بن عبد الملك المسجد جعل له عشرين باباً ثمانية في جهة الشرق في الحائط القبلي:
الأول: باب النبي صلى الله عليه وسلم.
سمي بذلك لمقابلته بيت النبي صلى الله عليه وسلم لا لأنه دخل منه عليه السلام، وقد سد عند تجديد الحائط، وجعل منه شباك يقف الإنسان عليه من خارج المسجد، فيرى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم.
الثاني: باب عليّ رضي الله عنه
وكان يقابل بيته خلف بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سد أيضاً عند تجديد الحائط.
الثالث: باب عثمان رضي الله عنه
نقل عند بناء الحائط الشرقي قبالة الباب الأول الذي كان يدخل منه النبي صلى الله عليه وسلم وهو باب جبريل، وهو مقابل لدار عثمان رضي الله عنه، ثم اشترى عثمان رضي الله عنه داراً حولها إلى القبلة والشرق، وشمالها الطريق إلى باب جبريل إلى باب المدينة الأول من عمل جمال الدين الأصبهاني، ومنه يخرج إلى البقيع فالذي يقابل باب جبريل عليه السلام منها اليوم رباط أنشأه جمال الدين محمد بن علي بن منصور الأصبهاني وزير بني زنكي ووقفه على فقراء العجم، وجعل له فيه مشهداً دفن فيه، وكان قد جدد أماكن كثيرة بمكة والمدينة، منها باب إبراهيم بمكة وزيادته واسمه مكتوب على الباب، وتاريخه من سنة ست وأربعين وخمسمائة، ومنها المنابر بمكة وعليها اسمه، وكان أولاً قد جدد باب الكعبة وأخذ الباب العتيق وحمله إلى بلده، وعمل منه تابوتاً حمل فيه بعد موته إلى المدينة الشريفة، ومات مسجوناً بقلعة الموصل سنة تسع وخمسين وخمسمائة وحمل إلى مكة ثم إلى المدينة وأنشد في ذلك:
سرى نعشه فوق الركاب وطالما * سرى جوده فوق الركاب ونائله
يمر على الوادي فتـثنى رماله * عليه وبالبادي فتثنى أرامـله
وهو الذي بنى سور المدينة الثاني بعد السور الأول القديم، وعمل لها أبواباً من حديد ولكنه كان على ما حول المسجد، فلما كثر الناس بالمدينة ووصل السلطان الملك العادل نور الدين الشهيد محمود بن زنكي ملك الشام إلى المدينة لأمر حدث بها يأتي ذكره في آخر هذا الفصل، أمر ببناء هذا السور الموجود اليوم، وفي قبلة الرباط المذكور من دار عثمان تربة اشترى عرصتها أسد الدين شيركوه بن شادي عم السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف، وعملها تربة نقل إليها هو وأخوه نجم الدين أيوب بعد موتهما ودفنا بها، وتوفي أسد الدين شهيداً بخانوق كان يعتريه سنة أربع وستين وخمسمائة بالقاهرة.
الرابع: باب ريطة
ويعرف بباب النساء، وفي أعلاه من خارج لوح من الفسيفساء مكتوب فيه آيه الكرسي من بقية البنيان القديم الذي بناه عمر بن عبد العزيز، ودار ريطة المقابلة له كانت داراً لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، ونقل أنه توفي بها وهي الآن مدرسة للحنفية بناها ياركوج أحد أمراء الشام ويعرف بالياركوجية، وعمل له فيها مشهداً نقل إليه من الشام بعد موته، والطريق إلى البقيع بينها وبين دار عثمان رضي الله عنه، والطريق سبعة أذرع قاله ابن زبالة. قال الشيخ جمال الدين: وهي اليوم قريب من هذا.
الخامس: باب يقابل باب أسماء
وهى أسماء ابنة الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس كانت لجبلة بن عمرو الساعدي الأنصاري، ثم صارت لسعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، ثم صارت لأسماء، وقد سد عند تجديد الحائط الشرقي في أيام الناصر لدين الله سنة تسع وثمانين وخمسمائة، ودار أسماء المذكورة هي اليوم رباط للنساء.
السادس: باب يقابل دار خالد بن الوليد
وقد دخل في بناء الحائط المذكور، ودار خالد الآن رباط للرجال، ومعها من جهة الشمال دار عمرو بن العاص، والرباطان المذكوران بناهما قاضي القضاة كمال الدين محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري.
السابع: باب يقابل زقاق المناصع
بين دار عمرو بن العاص ودار موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، والزقاق اليوم ينفذ إلى دار الحسن بن علي العسكري رحمه الله تعالى وكان الزقاق نافذاً إلى المناصع خارجاً عن المدينة، وهو متبرز النساء بالليل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودار موسى بن إبراهيم اليوم رباط للرجال أنشأه محيي الدين عبد الرحيم بن علي بن الحسين اللخمي التباني ثم العسقلاني، ودخل هذا الباب في الحائط أيضاً.
الثامن: باب كان يقابل أبيات الصوافي،
وهى دوراً كانت بين موسى بن إبراهيم وبين عبد الله بن الحسين الأصغر بن علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي، دخل في الحائط أيضاً وموضه هذه الدور اليوم دار اشتراها صفي الدين أبو بكر بن احمد السلامي ووقفها على قرابته السلاميين، وفي شمالي المسجد الشريف أربعة أبواب سدت أيضاً عند تجديد الحائط الشمالي، وليس في شمالي المسجد اليوم إلا باب سقاية عمرتها أم الإمام الناصر لدين الله للوضوء في سنة تسعين وخمسمائة كما تقدم،
ومما يلي المغرب ثمانية أبواب،
بابان مسدودان، وبقية باب ثالث سد وبقيت منه قطعة ودخل باقيه عند تجديد الحائط، ثم باب عاتكة إليه ثم باب عاتكة بنت عبد الله بن يزيد وهو باب الرحمة وكان يقابل دار عاتكة، ثم صارت الدار ليحيى بن خالد بن برمك وزير الرشيد، وبابان سدا أيضاً عند تجديد الحائط ما بين باب عاتكة هذا وخوخة أبي بكر رضي الله عنه، ثم خوخة أبي بكر وقد تقدم ذكرها، ثم الباب الثامن باب مروان بن عبد الحكم، وكانت داره تقابله من المغرب ومن القبلة، ويعرف الآن بباب السلام وباب الخشوع، ولم يكن في القبلة ولا إلى اليوم باب إلا خوخة آل عمر المتقدم ذكرها، وخوخة كانت لمروان عند داره في ركن المسجد الغربي.
قال الشيخ جمال الدين: شاهدناها عند بناء المنارة الكبيرة المستجدة في سنة ست وسبعمائة، أمر بإنشائها الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان بابها عليها وهو من ساج، فلم يبل إلى هذا التاريخ وقد استدت بحائط المنارة المغربي.

مختصر: تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام لابن الضياء