بّسم الله الرّحمن الرّحيم
تاريخ المدينة المنورة
حدود المسجد القديم وأسوار المدينة الشريفة

وصف المسجد وحدوده القديمة وأسوار المدينة
قال عفيف الدين المرجاني: اعلم أن طول المسجد " حتى يوم الأحد السابع عشر في رجب الفرد الحرام سنة ثلاثة ومائة وألف " بعد الزيادات كلها من قبلته إلى الشام مائتا ذراع وأربع وخمسون ذراعاً وأربع أصابع وعرضه من مقدمه من المشرق إلى المغرب مائتا ذراع وسبعون ذراعاً شافة، وعرضه من مؤخره مائة ذراع وخمسة وثلاثون ذراعاً، وطول رحبته من القبلة إلى الشام مائة ذراع وتسع وخمسون ذراعاً وثلاث أصابع، وذلك قبل زيادة الرواقين، ومن شرقيه إلى غربيه سبع وتسعون ذراعاً راجحة، وطول المسجد في السماء خمسة وعشرون. قال الحافظ محب الدين: هذا ما ذرعته أنا بخيط. وذكر الشيخ جمال الدين أن ابن زبالة ذكر مثل ذلك وما يقاربه.
وذكر ابن زبالة: أن طول منائره خمس وخمسون ذراعاً، وعرضهن ثمانية أذرع في ثمانية.
وأما الطيقان ففي القبلة ثمان وستون: منها في القبر المقدس أربعة، وفي الشام مثلها، وفي المشرق أربعون منها اثنتان في الحجرة المعظمة، وفي المغرب ستون وبين كل اسطوانتين تسعة أذرع، وذلك قبل زيادة الرواقين وليس على رؤوس السواري أقواس بل عوارض غير الدائر بالرحبة، والرواقين اللذين زيدا في دولة الملك الناصر.
وأما حدود مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم القديم المشار إليه أولاً فذكر الحافظ محب الدين أن حده من القبلة الدرابزينات التي بين الأساطين التي في قبة الروضة الشريفة، ومن الشام الخشبتان المغروزتان في صحن المسجد هذا طوله، أما عرضه من المشرق إلى المغرب فهو من حجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاسطوان الذي بعد المنبر الشريف وهو آخر البلاط.
قال الشيخ جمال الدين: أما الدرابزينات التي ذكرت في جهة القبلة فهي متقدمة عن موضع الحائط القبلي الذي كان محاذياً لمصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما ورد أن الواقف في مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون رمانة المنبر الرفيع حذو منكبه الأيمن، فمقام النبي صلى الله عليه وسلم لم يغير باتفاق، وكذلك المنبر الشامي لم يؤخر عن منصبه الأول، وإنما جعل هذا الصندوق الذي في قبلة مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سترة بين المقام وبين الاسطوانات، وورد أيضاً أنه كان بين الحائط القبلي وبين المنبر ممر الشاة، وبين المنبر والدرابزين اليوم مقدار أربعة أذرع وربع، ثم قال: رحمه الله: وفي صحن المسجد اليوم حجران، يذكر أنهما حد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشام والمغرب ولكنهما ليسا على سمت المنبر الشريف، بل هما داخلان إلى جهة المشرق مقدار أربعة أذرع أو أقل، وكذلك هما متقدمان إلى القبلة بمثل ذلك لأني اعتبرت ذلك بالذراع فوجدتهما ليسا على حد ذرع المسجد الأول. والله أعلم.
قال الحارث بن اسد المحاسبي: حد المسجد الأول ستة اساطين في عرضه عن يمين المنبر إلى القناديل التي حذاء الخوخة، وثلاث سواري عن يساره من ناحية المنحرف، ومنتهى طوله من قبلته إلى مؤخره حذاء تمام الرابع من طيقان المسجد اليوم، فما زاد على ذلك فهو خارج عن المسجد الأول، قال: وروى عن مالك أنه قال: مؤخر المسجد بحذاء عضادة الباب الثاني الذي يقابل باب عثمان، وهو باب النبي صلى الله عليه وسلم أعني العضادة الآخرة السفلى، وهو أربعة طيقان من المسجد ما قصر حتى يصير في الروضة، والروضة ما بين القبر والمنبر فما كان منها من الإسطوانة السادسة التي حدثت لك عن يمين المنبر فليس من المسجد الأول، إنما كان من حجرة عائشة رضي الله عنها فوسع به المسجد وهو من الروضة وتدنو من ناحية المنبر على يمينك حذاء الصندوق الموضوع هناك إلى المنبر، يروى أنه من وقف حذاء ذلك الصندوق وجعل عمود المنبر حذاء منكبه الأيمن، فقد وقف موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يقوم فيه.
قال قاضي القضاة عز الدين بن جماعة في "مناسكه الكبرى": وقد حررت ذرع ما حول ما به المسجد في زمنه صلى الله عليه وسلم، فكان ما بين الجدار الذي داخله الحجرة المقدسة وبين السارية السابعة اثنان وأربعون ذراعاً وثلثا ذراع، وما بين الدرابزين والحجرتين ستة وأربعون ذراعاً وثلثا ذراع، وذرعت ما بين الجدار الذي حول الحجرة الشريفة وبين المنبر فكان أربعة وثلاثين ذراعاً وقيراطاً وذلك طول الروضة الشريفة، قال: ولم يتحرر لي عرضها وما سامت بين النبي صلى الله عليه وسلم، أو المنبر فهو من الروضة بلا شك، وبين المنبر والدرجة التي ننزل منها إلى الحضرة التي هي مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمين الإمام تسعة أذرع وقيراط، وعرض الدرجة سدس ذراع وثمن ذراع، وسعة الحضرة ذراع وثلث ذراع وربع ذراع وثمن ذراع في مثله، كل ذلك بذراع العمل بمصر المحروسة. انتهى كلام ابن جماعة. ورحبة المسجد مقدار ثلاثة عشر، وعلى جانبها بئر، وعلى جانبها الغربي قبة حاصل المسجد الشريف أنشأ لها السلطان الملك الناصر، وبهذه القبة المصحف العثماني، وأول من جمع القرآن بين اللوحين أبو بكر رضي الله عنه ثم إنه أمر زيد بن ثابت بجمع القرآن وذلك بعد أيام اليمامة، فلما جمعه زيد كان عند حفصة، فأرسل عثمان إلى حفصة: أرسلي إلينا بالمصحف فننسخها بالمصاحف، ثم جمع زيداً وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأمرهم بنسخها في مصحف ففعلوا، ثم رد عثمان المصحف إلى حفصة، وقيل: أحرقها، وقيل: جعل منها أربع نسخ فبعث أحدهن إلى الكوفة، وإلى البصرة أخرى، وإلى الشام الثالثة، وأمسك عند نفسه واحدة فهي التي بالمدينة، وقيل: جعل سبع نسخ، ووجه من ذلك أيضاً نسخة إلى مكة، ونسخة إلى اليمن، ونسخة إلى البحرين، والأول أصح.
قال عفيف الدين المرجاني: وبمكة الآن منهن نسخة، وذكروا أنها كانت عليها شبكة من اللؤلؤ فيما تقدم، وكان أهل مكة يستسقون بها وكانت في جوف الكعبة، وهي في مقدار قطع ذراع في ذراع. انتهى كلامه.

ذكر أسوار المدينة الشريفة
السور الأول: نقل قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان: أن هذا السور القديم بناه عضد الدولة ابن نوبة المسمى بالحسن بن موسى بعد الستين وثلاثمائة في خلافة الإمام الطائع لله بن المطيع، ثم تهدم على طول الزمان ولم يبق إلا آثاره وهي باقية إلى الآن.
السور الثاني: هو الذي بناه جمال الدين الأصبهاني على رأس الأربعين وخمسمائة.
السور الثالث: بناه السلطان الملك العادل، وذلك أن المدينة الشريفة ضاقت بأهلها فلما قدم السلطان المذكور في سنة سبع وخمسين وخمسمائة إلى المدينة بسبب رؤيا رآها، استغاث به أهل المدينة وطلبوا أن يبني عليهم سوراً يحفظهم ويحفظ مواشيهم، فأمر ببناء هذا السور الموجود اليوم، فبنى في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وكتب اسمه على باب البقيع وهو باق إلى اليوم، وقصة الرؤيا على ما حكاه الطبري وغيره: أن السلطان محموداً رأى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات في ليلة واحدة، وهو يقول له في كل واحدة منها: يا محمود أنقذني من هذين الشخصين الأشقرين فحلفه، فاستحضر وزيره قبل الصبح فذكر له ذلك فقال: هذا أمر حدث بالمدينة ليس له غيرك، فتجهز وخرج على عجل بمقدار ألف راحلة وما يتبعها من خيل وغير ذلك حتى دخل المدينة الشريفة على غفلة من أهلها، وزار وجلس في المسجد لا يدري ما يصنع، فقال له وزيره: أتعرف الشخصين إذا رأيتهما? قال: نعم، فأمره بالصدقة وطلب الناس عامة وفرق عليهم ذهباً وفضة، وقال: لا يبقين أحد بالمدينة إلا جاء، فلم يبق إلا رجلين مهاجرين من أهل الأندلس نازلين في الناحية التي تلي قبلة حجرة النبي صلى الله عليه وسلم من خارج المسجد عند دار آل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فطلبهما للصدقة فامتنعا، فجد في طلبهما فجيء بهما فلما رآهما، قال: هما هذان فسألهما عن حالهما، فقالا: جئنا للمجاورة، فقال: اصدقاني، وتكرر السؤال حتى أفضى إلى معاقبتهما، فأقرا أنهما من النصارى وأنهما وصلا لكي ينقلا من في هذه الحجرة المقدسة باتفاق من ملوكهما، ووجدوهما قد حفرا نقباً من تحت الأرض من تحت حائط المسجد القبلي، وهما قاصدان إلى جهة الحجرة الشريفة، ويجعلان التراب في بئر عندهما في البيت الذي هما فيه، فضرب أعناقهما عند الشباك الذي في شرقي حجرة النبي صلى الله عليه وسلم خارج المسجد، ثم أحرقا آخر النهار، وركب وتوجه إلى الشام. انتهى. والله أعلم.

مختصر: تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام لابن الضياء