الفن الأول [ المقالة الأولى: أمراض الرأس والدماغ ]

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2818
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

الفن الأول [ المقالة الأولى: أمراض الرأس والدماغ ]

مُساهمة من طرف الإدارة في الثلاثاء 13 ديسمبر 2016 - 5:56


بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الثالث : الأمراض الجزئية
الفن الأول: أمراض الرأس والدماغ
المقالة الأولى: أمراض الرأس والدماغ

● [ فصل في معرفة الرأس وأجزائه ] ●

قال جالينوس: إن الغرض في خلقة الرأس ليس هو الدماغ ولا السمع ولا الشمّ ولا الذوق ولا اللمس، فإن هذه الأعضاء والقوى موجودة في الحيوان العديم الرأس، ولكن الغرض فيه هو حسن حال العين في تصرّفها الذي خلقت له. وليكون للعين مطلع ومشرف على الأعضاء كلّها في الجهات جميعها، فإن قياس العين إلى البدن قريب من قياس الطليعة إلى العسكر. وأحسن المواضع للطلائع وأصلحها هو الموضع المشرف،
ثم أيضاً لا حاجة إلى خلق الرأس لكل عين على الإطلاق، بل للحيوان اللين العين المحتاجة عينه إلى فضل حرز ووثاقة موضع،
فإن كثيراً من الحيوانات العديمة الأرؤس خلق له زائدتان مشرفتان من البدن، وهندم عليهما عينان ليكون لكل منهما مطلع ومشرف لبصره ثم لم يحتج في تصرفات عينه إلى خلقة رأس لصلابة مقلته،
وإنما الحاجة إلى الرأس للحيوانات التي تحتاج أعينهم إلى كنّ وتحتاج إلى أن تأتيها أعصاب لحركات شتّى من حركات المقلة والأجفان، لا يصلح لمثلها عضو واحد متباعد متضائل ونحن نستقصي ذلك في باب العين وأجزاء الرأس الذاتية وما يتبعها هي: الشعر ثم الجلد ثم اللحم ثم الغشاء ثم القحف ثم الغشاء الصلب ثم الغشاء الرقيق المشيمي ثم الدماغ جوهره وبطونه، وما فيه ثم الغشاءان تحته ثم الشبكة ثم العظم الذي هو القاعدة للدماغ.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في تشريح الدماغ ] ●

فأما تشريح الدماغ، فإن الدماغ ينقسم إلى جوهر حجابيّ وإلى جوهر مخي وإلى تجاويف فيه مملوءة روحاً. وأما الأعصاب، فهي كالفروع المنبعثة عنه لأعلى، إنها أجزاء الخاص به. وجميع الدماغ منصّف في طوله تنصيفاً نافذاً في حجبه ومخّه وبطونه لما في التزويج من المنفعة المعلومة، وإن كانت الزوجية في البطن المقدم وحده أظهر للحس،
وقد جوهر الدماغ بارداً رطباً. أما برده قليلاً، فلشغله كثرة ما يتأذى إليه من قوى حركات الأعصاب وانفعالات الحواس وحركات الروح في الاستحالات التخيلية والفكرية والذكرية، وليعتدل به الروح الحار جداً النافذ إليه من القلب في العرقين الصاعدين منه إليه، وخلق رطباً لئلا تجففه الحركات وليحسن تشكّله وخلق ليّنماً دسماً. أما الدسومة فليكون ما ينبت منه من العصب علكاً.
وأما اللين فقد قال جالينوس: إن السبب فيه ليحسن تشكله واستحالته بالمتخيلات، فإن اللين أسهل قبولاً للاستحالات. فهذا ما يقوله.
وأقول: خلق ليناً ليكون دسماً وليحَسن غذاؤه للأعصاب الصلبة بالتدريج، فإن الأعصاب قد تغتذي أيضاً من الدماغ والنخاع، ثم الجوهر الصلب لا يمد الصلب بما يمدّه اللين، وليكون مِا ينبت عنه لدنا، إذا كان بعض النابت منه محتاجاً إلى أن يتصلّب عند أطرافه لما سنذكره من منافع العصب، ولما كان هذا النابت محتاجاً إلى التصلب على التدريج وتكون صلابته صلابة لدنٍ ، وجب أن يكون منشؤه جوهراً لدناً دسماً والدسم اللزج لين لا محالة.
وأيضاً ليكون الروح الذي يحويه الذي يفتقر إلى سرعة الحركة ممداً برطوبة، وأيضاً ليخص بتخلخله فإن الصلب من الأعضاء، أثقل من اللين الرطب المتخلخل.
لكن جوهر الدماغ أيضاً متفاوت في اللين والصلابة، وذلك لأن الجزء المقدم منه ألين والجزء المؤخر أصلب، وفرق ما بين جزأين باندراج الحجاب الصلب الذي نذكره فيه إلى حد ما، وإنما لين مقدم الدماغ لأن أكثر عصب الحسّ وخصوصاً الذي للبصر والشتم ينبت منه، لأن الحس طليعة البدن وميل الطليعة إلى جهة المقدم أولى. وعصب الحركة أكثره ينبت من مؤخره وينبت منه النخاع الذي هو رسوله وخليفته في مجرى الصلب وحيث يحتاج إلى أن ينبت منه أعصاب قوية وعصب الحركة يحتاج إلى فضل صلابة لا يحتاج إليه عصب الحس، بل اللين أوفق له فجعل منشؤه أصلب وإنما أدرج الحجاب فيه ليكون فضلاً، وقيل ليكون اللين مبرأ عن مماسة الصلب لأن ما يغوص فيه صلب وليّن جداً. ولهذا الطي منافع أخرى، فإن الأوردة النازلة إلى الدماغ المفترقة فيه تحتاج إلى مستندٍ وإلى شيء يشدها فجعل هذا الطي دعامة لها وتحت آخر هذا العطف، وإلى خلفه المعصرة وهي مصبّ الماء إلى فضاء كالبُركة، ومنها تتشعب جداول يفترق فيها الدم ويتشبه بجوهر الدماغ ثم تنسفها العروق من فوهاتها وتجمعها إلى عرقين كما سنذكره في تشريح ذلك. وهذا الطي ينتفع به في أن يكون مثبتاً لرباطات الحجاب اللصيق بالدماغ في موازاة الدروز من القحف الذي يليه. وفي مقدم الدماغ منبت الزائدتين الحلميتين اللتين بهما يكون الشم، وقد فارقتا لين الدماغ قليلاً ولم تلحقهما صلابة العصب، وقد جلل الدماغ كله بغشاءين أحدهما رقيق يليه، والآخر صفيق يلي العظم وخلقا ليكونا حاجزين بين الدماغ وبين العظم. ولئلا يماس الدماغ جوهر العظم ولا يتأدى إليه الآفات من العظم وإنما تقع هذه المماسة في أحوال تزيد الدماغ في جوهره، أو في حال الانبساط الذي يعرض له عقيب الانقباض،
وقد يرتفع الدماغ إلى القحف عند أحوال مثل الصياح الشديد. فلمثل هذا من المنفعة ما جعل بين الدماغ وعظم القحف حاجزان متوسطان، بينهما في اللين والصلابة وجعلا اثنين لئلا يكون الشيء الذي تحسن ملاقاته للعظم بلا واسطة هو بعينه الشيء الذي تحسن ملاقاته الدماغ بلا واسطة، بل فرق بينهما فكان القريب من الدماغ رقيقاً والقريب من العظم صفيقاً، وهما معاً كوقاية واحدة وهذا الغشاء مع أنه وقاية للدماغ، فهو رباط للعروق التي في الدماغ ساكنها وضاربها وهو كالمشيمة يحفظ ألم. ضاع العروق بانتساجها فيه. وكذلك ما يداخل أيضاً جوهر الدماغ في مواضع كبيرة مزردة. ويتأدى إلى بطونه وينتهي عند المؤخر منقطعاً لاستغنائه بصلابته عنه.
والغشاء الثخين غير ملتصق بالدماغ ولا بالرقيق التصاقاً يتهندم عليه في كل موضع بل مستقل عنه، إنما يصل بينهما العروق النافذة في الثخين إلى الرقيق والثخين مسمر إلى القحف بروابط غشائية تنبت من الثخين تشده إلى الدروز لئلا تثقل على الدماغ جداً. وهذه الرباطات تطلع من الشؤون إلى ظاهر القحف، فتثبت هناك حتى ينتسج منها الغشاء المجلل للقحف. وبذلك ما يستحكم ارتباط الغشاء الثخين بالقحف أيضاً.
وللدماغ في طوله ثلاثة بطون، وإن كان كل بطن في عرضه ذا جزأين فالجزء المقدّم محسوس الانفصال إلى جزأين يمنة ويسرة، وهذا الجزء يعين على الاستنشاق وعلى نفض الفضل بالعطاس وعلى توزيع أكثر الروح الحساس وعلى أفعال القوى المصورة من قوى الإدراك الباطن. وأما البطن المؤخر، فهو أيضاً عظيم لأنه يملأ تجويف عضو عظيم ولأنه مبدأ شيء عظيم، أعني النخاع ومنه يتوزعّ أكثر الروح المحرّك وهناك أفعال القوّة الحافظة لكنه أصغر من المقدم، بل من كل واحد من بطني المقدم. ومع ذلك فإنه يتصاغر تصاغراً متدرجاً إلى النخاع، ويتكاثف تكاثفاً إلى الصلابة وأما البطن الوسط، فإنه كمنفذ من الجزء المقدم إلى الجزء المؤخر وكدهليز مضروب بينهما. وقد عظم لذلك وطول لأنه مؤدّ من عظيم إلى عظيم، وبه يتّصل الروح المقدّم بالروح المؤخر وتتأدى أيضاً الأشباح المتذكّرة، ويتسقف مبدأ هذا البطن الأوسط بسقف كري الباطن كالازج، ويسمى به ليكون منفذاً ومع ذلك مبعداً بتدويره من الآفات وقوياً على حمل ما يعتمد عليه من الحجاب المدرج، وهناك يجتمع بطنا الدماغ المقدمان اجتماعاً يتراءيان للمؤخر في هذا المنفذ وذلك الموضع يسمى مجمع البطنين وهذا المنفذ نفسه بطن.
ولما كان منفذاً يؤدي عن التصور إلى الحفظ، كان أحسن موضع للتفكّر والتخيل على ما علمت ويستدل على أن هذه البطون مواضع قوى تصدر عنها هذه الأفعال من جهة يعرض لها من الآفات، فيبطل مع آفة كل جزء فعله أو يدخله آفة والغشاء الرقيق يستبطن بعضه فيغشي بطون الدماغ إلى الفجوة التي عند الطاق وأما ما وراء ذلك، فصلابته تكيفه تغشية الحجاب إياه وأما التزريد الذي في بطون الدماغ، فليكون للروح النفساني نفوذ في جوهر الدماغ كما في بطونه، إذ ليس في كل وقت تكون البطون متّسعة منفتحة أو الروح قليلاً بحيث تسعه البطون فقط.
ولأن الروح إنما تكمل استحالته عن المزاج الذي للقلب إلى المزاج الذي للدماغ، بأن ينطبخ فيه انطباخاً يأخذ به من مزاجه، فهو أول ما يتأدى إلى الدماغ يتأدّى إلى جوفه الأول فيطبخ فيه ثم ينفذ إلى البطن الأوسط فيزداد فيه انطباخاً، ثم يتمّ انطباخه في البطن المؤخر والانطباخ الفاضل إنما يكون لمخالطة وممازجة ونفوذ في أجزاء المطبوخ من أجزاء الطابخ كحال الغذاء في الكبد على ما نصفه فيما يستقبل، لكن زرد المقدّم أكثر إفراداً من زرد المؤخّر لأن نسبة الزرد إلى الزرد كنسبة العضو إلى العضو بالتقريب، والسبب المصغر للمؤخر عن المقدم موجود في الزرد وبين هذا البطن وبين البطن المؤخر، ومن تحتهما مكان هو متوزعّ العرقين العظيمين الصاعدين إلى الدماغ اللذين ذكرناهما إلى شعبهما التي تنتسج منها المشيمة من تحت الدماغ.
وقد عمدت تلك الشعب بجرم من جنس الغد، يملأ ما بينها ويدعمها كالحال في سائر المتوزعات العرقية، فإن من شأن الخلاء الذي يقع بينها أن يملأ أيضاً بلحم غددي، وهذه الغدة تتشكّل بشكل الشعب الموصوفة وعلى هيئة التوزعّ الموصوف. فكما أن التشعب والتوزعّ المذكور يبتدئ من مضيق ويتفرع إلى سعة يوجبها الانبساط، كذلك صارت هذه الغدّة صنوبرية، رأسها يلي مبدأ التوزعّ من فوق وتذهب متوجهة نحو غايتها إلى أن يتم تدلي الشعب ويكون هناك منتسج على مثال المنتسج في المشيمة فيستقر فيه. والجزء من الدماغ المشتمل على هذا البطن الأوسط، خاصة أجزاؤه التي من فوق دودية الشكل مزردة من زرد موضوعة في طوله، مربوط بعضها ببعض ليكون له أن يتمدد، وأن يتقلّص كالدود وباطن فوقه مغشى بالغشاء الذي يستبطن الدماغ إلى حد المؤخر وهو مركب على زائدتين من الدماغ مستديرتين، إحاطة الطول كالفخذين يقربان إلى التماس ويتباعدان إلى الانفراج تركيباً بأربطة تسقى وترات لئلا يزول عنها، تكون الدودة إذا تمددت وضاق عرضها، ضغطت هاتين الزائدتين إلى الاجتماع فينسد المجرى، وإذا تقلصت إلى القصر وازدادت عرضاً، تباعدت إلى الافتراق فانفتح المجرى وما يلي منه مؤخر الدماغ أدقّ وإلى التحدّب ما هو فيتهندم في مؤخر الدماغ كالوالج منه في مولج، ومقدمه أوسع من مؤخره على الهيئة التي يحتملها الدماغ.
والزائدتان المذكورتان تسميان: العنبتين ولا تزريد فيهما البتة بل هما ملساوان ليكون سدهما وانطباقهما أشد، ولتكون إجابتهما إلى التحريك بسبب حركة شيء آخر أشبه بإجابة الشيء الواحد. ولدفع فضول الدماغ مجريان أحدهما في البطن المقدم وعند الحدّ المشترك بينه وبين الذي بعده، والآخر في البطن الأوسط وليس للبطن المؤخر مجرى مفرد، وذلك لأنه موضوع في الطرف وصغير أيضاً بالقياس إلى المقدم فلا يحتمل المجرى ويكفيه.
وللأوسط مجرى مشترك لهما وخصوصاً وقد جعل مخرجاً للنخاع يتحلل بعض فضوله ويندفع من جهته وهذان المجريان إذا ابتدآ من البطنين، ونفذا في الدماغ نفسه توربا نحو الالتقاء عند منفذ واحد عميق مبدؤه الحجاب الرقيق وآخره وهو أسفله عند الحجاب الصلب، وهو مضيق فإنه كالقمع يبتدئ من سعة مستديرة إلى مضيق، فلذلك يسقى قمعاً، ويسمى أيضاً مستنقعاً، فإذا نفذ في الغشاء الصلب لاقى هناك مجرى في غدة، كأنها كرة مغموزة في جانبين متقابلين فوق وأسفل وهي بين الغشاء الصلب، وبين مجرى الحنك ثم هناك المنافذ التي في مشاشية المصفى في أعلى الحنك.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في أمراض الرأس الفاعلة للأعراض فيه ] ●

يجب أن يعلم أن غرضنا ههنا في قولنا الرأس هو الدماغ وحجبه ولسنا نتعرض لأمراض الشعر، ههنا في هذا الموضع فنقول: إنه يعرض للدماغ أنواع سوء المزاجات الثمانية المفردة والكائنة مع مادة وهي: إما بخارية وإما ذات قوام. ويكثر فيه أمراض الرطوبة، فإن كل دماغ فيه أول الخلقة رطوبة فضلية، تحتاج إلى أن تتنقّى إما في الرجم، وإما بعده. فإن لم تنق عظم منها الخطب وكلها إما في جره الدماغ، وإما في عروقه وإما في حجبه. ويعرض له أمراض التركيب إما في المقدار مثل أن يكون أصغر من الواجب، أو أعظم من الواجب أو في الشكل مثل أن يكون شكله متغيراً عن المجرى الطبيعي، فيعرض من ذلك آفة في أفعاله.
أو تكون مجاريه وأوعيته منسدة، والسدد إما في البطن المقدم، وإما في البطن المؤخر وإما في البطنين جميعاً ناقصة أو كاملة، وإما في الأوردة وإما في الشرايين وإما في منابت الأعصاب، وإما أن تنخلع رباطات حجبه أو يقع افتراق به بين جزأين.
ويعرض له أمراض الاتصال لانحلال فرد فيه نفسه، أو في شرايينه وأوردته أو القحف.
ويعرض له الأورام إما في جوهر الدماغ نفسه أو في غشائه الرقيق أو الثخين أو الشبكة أو الغشاء الخارج وكله عن مادة من أحد الأخلاط الحارة أو الباردة، أما من الباردة العفنة فيلحق بالأورام الحارة والباردة الساكنة تفعل أوراماً هي التي ينبغي أن تسمّى باردة وكأنك لا تجد من أمراض الدماغ شيئاً إلا راجعاً إلى هذه أو عارضاً من هذه.
وأمراض الدماغ تكون خاصية، وتكون بالمشاركة وربما عظم الخطب في أمراض المشاركة فيه حتى تصير أمراضاً خاصية قتّالة، فإنه كثيراً ما يندفع إليه في أمراض ذات الجنب والخوانيق مواد خنّاقة قتّالة، وكثيراً ما تصيبه سكتة قاتلة بسبب أذى في عضو آخر مشارك.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في الدلائل التي يجب أن يتعرّف منها أحوال الدماغ ] ●

فنقول المبادي التي منها نصير إلى معرفة أحوال الدماغ، هي من الأفعال الحسية والأفعال السياسية، أعني التذكر والتفكر والتصوّر وقوّة الوهم والحدس والأفعال الحركية، وهي أفعال القوّة المحركة للأعضاء بتوسّط العضل ومن كيفية ما يستفرغ منه من الفضول في قوامه ولونه وطعمه، أعني حرافته وملوحته ومرارته أو تفهه. ومن كميته في قلّته وكثرته، أو من احتباسه أصلاً ومن موافقة الأهوية والأطعمة إيّاه ومخالفتها وإضرارها به، ومن عظم الرأس وصغره ومن جودة شكله المذكورة في باب العظام ورداءته، ومن ثقل الرأس وخفّته، ومن حال ملمس الرأس وحال لونه ولون عروقه، وما يعرض من القروح والأورام في جلدته ومن حال لون العين وعروقها وسلامتها ومرضها وملمسها خاصة ومن حال النوم واليقظة، ومن حال الشعر في كميته أعني قلّته وكثرته وغلظه ورقّته وكيفيته، أعني شكله في جعودته وسبوطته ولونه في سواده وشقرته وصهوبته وسرعة قبوله الشيب وبطئه، وفي ثباته على حال الصحة أو زواله عنها بتشقّقه أو انتثاره أو تمرّطه وسائر أحواله.
ومن حال الرقبة في غلظها ودقّتها وسلامتها أو كثرة وقوع الأورام والخنازير فيها، وقلتهما وكذلك حال اللهاة واللوزتين والأسنان. ومن حال القوى والأفعال في الأعضاء العصبانية المشاركة للدماغ، وهي مثل الرحم والمعدة والمثانة.
والاستدلال على المشاركة يكون على وجهين: أحدهما من حال العضو المشارك للدماغ، فيما يعرض للدماغ على ما عرض للدماغ، والثاني من حال العضو الذي ألم الدماغ بمشاركته إياه أنه أي عضو هو وما الذي به وكيف يتأدى إلى الدماغ.
وهذه الاستدلالات قد يستدل منها على ما هو حاضر من الأفعال والأحوال، وعلى ما يكون ولم يحضر بعد، مثل ما يستدلّ من طول الحزن والوحوش على المنالنخوليا المطلّ أو القطرب الواقع عن قرب، ومن الغضب الذي لا معنى له على صرع أو مالنخوليا حاراً ومانيا ومن الضحك بلا سبب على حمق أو على رعونة.
فصل في كيفية الاستدلال من هذه الدلائل على أحوال الدماغ وتفصيل هذه الوجوه المعدودة حتى ينتهي إلى آخر تفصيل بحسب هذا البيان فصل في الاستدلال الكلي من أفعال الدماغ
أما الدلالة المأخوذة من جنس الأفعال، فإن الأفعال إذا كانت سليمة أعانت في الدلالة على سلامة الدماغ، وإن كانت مؤفة دلت على آفة فيها، وآفات الأفعال كما أوضحنا ثلاث هي: الضعف والتغير والتشوش ثم البطلان. والقول الكلي في الاستدلال من الأفعال، أن نقصانها وبطلانها يكون للبرد ولغلظ الروح من الرطوبة والسدّة، ولا يكون من الحر إلا أن يعظم فيبلغ أن تسقط القوة وأما التشوش، أو ما يناسب الحركة فقد يكون من الحرّ وقد يكون من اليبس.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في الاستدلالات المأخوذة من الأفعال النفسانية ] ●
الحسّية والسياسية والحركية والأحلام من جملة السياسية

فنقول هذه الأفعال قد تدخلها الآفة على ما عرف من بطلان، أو ضعف أو تشوّش مثال ذلك:
إما في الحواس:
فلنبدأ بالبصر : فإن البصر تدخله الآفة، إما بأن يبطل، وإما بأن يضعف، وإما بأن يتشوّش فعله ويتغيّر عن مجراه الطبيعي، فيتخيّل ما ليس له وجود من رج مثل الخيالات والبقّ والشعل والدخان. وغير ذلك فإن هذه الآفات إذا لم تكن خاصة بالعين، استدل منها على آفة في الدماغ. وقد تدل الخيالات بألوانها، ولقائل أن يقول إن الخيال الأبيض كيف يدلّ منها على البلغم الغالب وهو بارد، وأنتم نسبتم التشوش إلى الحرّ، فنقول ذلك بحسب المزاج لا بحسب اعتراض المواد للقوة الصحية الكاملة الحرارة الغريزية.
وأما في السمع: فمثل أن يضعف فلا يسمع إلا القريب الجهير أو يتشوّش فيسمع ما ليس له وجود من خارج، مثل الدوي الشبيه بخرير الماء، أو بضرب المطارق، أو بصوت الطبول، أو بكشكشة أوراق الشجر أو حفيف الرياح أو غير ذلك. فيستدلّ بذلك إمّا على مزاج يابس حاضر في ناحية الوسط من الدماغ أو على رياح وأبخرة محتبسة فيه، أو صاعدة إليه وغير ذلك مما يدل عليه. وإما أن يبطل أصلاً والضعف والبطلان لكثرة البرد والذي يسمع كأنه يسمع من بعيد، فلرطوبة.
وأما في الشم: فبأن يعدم أو يضعف أو يتشوش فيحس بروائح ليس لها وجود من خارج منتنة أو غير منتنة فيدلّ في الأكثر على خلط محتبس في مقدم الدماغ، يفعله إن لم يكن شيئاً خاصاً بالخيشوم.
وأما الذوق واللمس: فقد يجريان هذا المجرى إلا أن تغيرهما عن المجرى الطبيعي في الأكثر يدل على فساد خاص في الإنهاء القريبة، وفي الأقل على مشاركة من الدماغ خصوصاً مثل ما إذا كان عاماً كخدر جميع البدن،
وقد تشترك الحواس في نوع من الضعف والقوة، يدل على حالة في الدماغ دائمة وهي الكدورة والصفاء. وليس مع كل ضعف كدورة فقد يكون ضعف مع الصفاء مثل أن يكن الإنسان يبصر الشيء القريب والقليل الشعاع إبصاراً جيّداً صافياً، ويرى الأشياء الصغيرة منها ثم إذا بعدت أو كثر شعاعها، عجز عن إدراكها فإذن الكدورة والصفاء قد يكونان معاً في الضعف والصفاء قد يكون لا محالة مع القوة، لكن الكدورة دائماً تدل على مادة، والصفاء على يبوسة. وهذه الكدورة ربما استحكمت بغتة فكان منها السَدر وهو يدلّ على مادة بخارية في عروق الدماغ والشبَكة والحكم في الاستدلالات عن هذه الآفات أن ما يجري مجرى التشوش، فهو في أكثر الأمر تابع لمزاج حار يابس. وما يجري مجرى النقصان والضعف، فهو في الأكثر تابع لبرد إلا أن يكون مع شدة ظهور فساد وسقوط قوّة، فربما كان مع ذلك من الحرارة ولكن الحرارة ملائمة للقوى بالقياس إلى البرد. فما لم يعظم استضرار المزاج به وفساده، لم يورد في القوى نقصاناً فيجب أن لا يعوّل حينئذ على هذا الدليل، بل تتوقّع الدلائل الأخرى المذكورة لكل مزاج من المزاجين، والبطلان قد يدل على تكّد أسباب النقصان إن كان لسبب دماغي، ولم يكن لسبب آفات في الآلات من فساد وانقطاع وسدّة، وبالجملة زوال عن صلوحها للأداء أو لسبب في العضو الحسّاس نفسه، ومن الأعضاء الحساسة، ما هو شديد القرب من الدماغ فيقلّ أن لا تكون الآفة فيهما مشتركة مثل السمع والشم، فأكثر آفاته التي لا تزول بتنقية وتعديل مزاج يكون من الدماغ. ولذلك ما يكون سائر الحواس إذا تأذت بمحسوساتها دلّت على آفة فيها من حر أو يبس لم يبلغا أن يسقط القوة والسمع ثم الشمّ وفي الأكثر يدل على أن ذلك المزاج في الدماغ.
وأما الأفعال السياسية:
فإن قوة الوهم والحدس دالة على قوة مزاج الدماغ بأسره وضعفه دالّ على آفة فيه موقوفة إلى أن يتبين أيّ الأفعال الأخرى اختلّ، فمنها فساد قوة الخيال والتصور وآفتها، فإن هذه القوّة إذا كان قوية، أعانت في الدلالة على صحة مقدم الدماغ وهذه القوة إنما تكون قوية، إذا كان الإنسان قادراً على جودة تحفظ صور المحسوسات مثل الأشكال والنقوش والحلو والمذاقات والأصوات والنغم وغيرها، فإن من الناس من يكون له في هذا الباب قوّة تامة، حتى إن الفاضل من المهندسين ينظر في الشكل المخطوط نظرة واحدة فترتسم في نفسه صورته وحروفه ويقضي المسألة إلى آخرها مستغنياً عن معاودة النظر في الشكل.
وكذلك حال قوم بالقياس إلى النغم وحال قوم بالقياس إلى المذاقات وغير ذلك، وبهذا الباب تتعلّق جودة تعرف النبض، فإنه يحتاج إلى خيال قويّ ترتسم به في النفس قوى الملموسات وهذه القوة إذا عرضت لها الآفة.
أما بطلان الفعل فلا تقوى فيه صورة خيال محسوس بعد زواله عن النسبة التي تكون بينه وبين الحاسة، حتى يحسّ بها وإما ضعف وإما نقصان وإما تغير عن المجرى الطبيعي، بأن يتخيّل ما ليس موجوداً دل ضعفه وتعذره، وبطلان فعله في الأكثر على إفراط برد أو يبس في مقدم الدماغ أو رطوبة. والبرد هو السبب بالذات والآخران سببان بالعرض لأنهما يجلبانه. ودل تغير فعله وتشوّشه على فضل حرارة وهذا كلّه بحسب أكثر الأمور وعلى نحو ما قيل في القوى الحساسة، وقد يعرض هذا المرض لأصحاء العقل حتى تكون معرفتهم ميل والقبيح تامة وكلامهم مع الناس صحيحاً، لكنهم يتخيّلون قوماً حضوراً ليسوا بموجودين خارجاً، ويتخيّلون أصوات طبالين وغير ذلك كما حكى جالينوس، أنه كان عرض لروطلس الطبيب ومنها فساد في قوة الفكر والتخيّل، إما بطلان ويسمّى هذا: ذهاب العقل، وإما ضعف، ويسمى حمقاً ومبدؤهما برد مقدّم الدماغ أو يبوسته أو رطوبته، وذلك في الأكثر على ما قيل وإما تغيّر وتشوّش حتى تكون فكرته في ما ليس. ويستصوب غير الصواب ويسمّى: اختلاط العقل فيدلّ: إما على صرم، وإما على مادة ، صفراوية حارة يابسة، وهو الجنون السبعي ويكون اختلاطه مع شرارة، وإما على مادة سوداوية وهو المالنخوليا ويكون اختلاطه مع سوء ظن ومع فكر بلا تحصيل. والمائل من تلك الأخلاق إلى الجبن أدلّ على البردَ والمائل منها إلى الاجتراء والغضب، أدلّ على الحر وبحسب الفروق التي بينها ونحن نوردها بعد، وربما كان هذا بمشاركة عضو آخر. ويتعرف ذلك بالدلائل الجزئية التي نصفها بعد.
وبالجملة إذا تحركت الأفكار حركات كثيرة، وتشوشت وتفنّنت فهناك حرارة.
وقد يقع أيضاً تشوّش الفكر في أمراض باردة المادة، إذا لم تخل عن حرارة مثل اختلاط العقل في ليثرغس، ومنها آفة في قوة الذكر إما بأن يضعف وإما بأن يبطل كما حكى جالينوس، أن وباء حدث بناحية الحبشة كان عرض لهم بسبب جيف كثيرة بقيت بعد ملحمة بها شديدة، فصار ذلك الوباء إلى بلاد يونان فعرض لهم أن وقع بسببه من النسيان ما نسي له الإنسان اسم نفسه وأبيه. وكثر ما يعرض من الضعف في الذكر، يعرض لفساد في مؤخر الدماغ من برد أو رطوبة أو يبس ويتشوّش فيقع له أنه يذكر ما لم يكن له به عهد، فيدلّ على مزاج حار مع مادة أو بلا مادة. والمادة اليابسة أولى بذلك. كل ذلك إذا لم يفرط المزاج فتسقط القوّة، ونقول قولاً مجملاً أن بطلان هذه الأفاعيل، ربما يكون لغلبة البرد إما على جرم الدماغ، فيكون مما يستولي على الأيام أو على تجاويفه وقد يكون لبرد مع رطوبة وربما جلبه اليبس. وكذلك ضعفها وإما تغيرها فلورم أو مزاج صفراوي أو سوداوي، أو جسم مجرد والاستدلال من أحوال الأحلام مما يليق أن يضاف إلى هذا الموضع، فإن كثرة رؤية الأشياء الصفر والحارّة، تدل على غلبة الصفراء وكذلك كثرة رؤية أشياء تناسب مزاجاً مزاجاً ولا يحتاج إلى تعديدها. والأحلام المتشوشة تدل على حرارة ويبوسة، ولذلك تنذر بأمراض حارة دماغية وكذلك الأحلام المفزعة والتي لا تذكر تدل على برد ورطوبة في الأكثر، ورؤية الأشياء كما هي تدل على ذلك.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في الاستدلال من الأفعال الحركية ] ●
وما يشبهها من النوم واليقظة

وأما الدلائل المأخوذة من جنس الأفعال الحركية، فأما بطلانها وضعفها فيدل على رطوبة فضلية في آلاتها رقيقة كثيرة، ويدل في أي عضو كان على آفة قي الدماغ إلا أن الأخص به ما كان في جميع البدن كالسكتة أو في شق واحدٍ كالفالج واللقوة الرخوة. وربما اتفقا أعني البطلان والضعف من حرّ الدماغ أو يبسه في نفسه أو في شيء من الأعصاب النابتة عنه، لكن ذلك يكون بعد أمراض كثيرة، وقليلاً قليلاً وعلى الأيام والذي في عضو واحد كالاسترخاء ونحو ذلك. فربما كان لأمراض خاصة بذلك العضو، وربما كان عن اندفاع فضل من الدماغ إليه وأما تغيرها فإن كان بغتة دلّ على رطوبة أيضاً وإن كان قليلاً قليلاً فعلى يبوسة، أعني في الآلات والذي يخصّ الدماغ فمثل تغيّر حركات المصروع بالصرع الذي هو تشنّج عام ولا يكون إلا عن رطوبة، لأنه كائن دفعة أو بمشاركة عضو آخر بحسب ما تبيّن، ويدلّ على سدّة غير كاملة ومثل رعشة الرأس، فإن جميع هذه يدلّ على مادة غليظة في ذلك الجانب من الدماغ أو ضعف أو يبوسة إن كان بعض أمراض سبقت وكان حدوثه قليلاً قليلاً.
وأما ما كان في أعضاء أبعد من الدماغ، فالقول فيه ما قلنا مراراً وهذه كلّها حركات خارجة عن المجرى الطبيعي، ونقول أيضاً إن كان الإنسان نشيطاً للحركات فمزاج دماغه في الأصل حاراً ويابس، وإن كان إلى الكسل والاسترخاء فمزاجه بارد أو رطب. وإذا كان به مرض وكانت حركاته إلى القلق هو حار. وإن كانت إلى الهدء ولم تكن القوّة شديدة السقوط، فهو إلى البرد. ومما يناسب هذا الباب الاستدلال من حال النوم واليقظة: فاعلم أن النوم دائماً تابع لسوء مزاج رطب مرخٍ أو بارد مجمّد لحركة القوى الحسية، أو لشدّة تحلّل من الروح النفساني لفرط الحركة أو لاندفاع من القوى إلى الباطن لهضم المادة، ويندفع معها الروح النفساني بالاتباع كما يكون بعد الطعام. فما لم يجر من النوم على المجرى الطبيعي ولم يتبع تعباً وحركة، فسببه رطوبة أو جمود فإن لم تقع الأسباب المجمّدة ولم تدلّ الدلائل على إفراط برد مما سنذكره، فسببه الرطوبة ثم ليس كل رطوبة توجب نوماً. فإن المشايخ مع رطوبة أمزجتهم، يطول سهرهم ويَرَى جالينوس أن سبب ذلك من كيفية رطوباتهم البورقية، فإنها تسهر بأذاها للدماغ، إلا أن اليبوسة على كل حال مسهّرة لا محالة.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في الدلائل المأخوذة عن الأفعال الطبيعية ] ●
مما ينتفض وما ينبت من الشعر وما يظهر من الأورام والقروح

وأما الدلائل المأخوذة من جنس أفعال الطبيعة، فتظهر من مثل الفضول بانتفاضها في كميتها وكيفيتها أو بامتناعها وانتفاضها، يكون من الحنك والأنف والأذن وبما يظهر على الرأس من القروح والبثور والأورام، وبما ينبت من الشعر، فإن الشعر ينبت من فضول الدماغ ويستدلّ من الشعر بسرعة نباته أو بطئه وسائر ما قد عدد من أحواله.
فلنذكر طريق الاستدلال من انتفاضات الفضول عن المسالك المذكورة، وهذه الفضول إذا كثرت دلت على المواد الكثيرة ودلّت على السبب الذي يكثر به في العضو الفضول، كما قد علمته وعلى أن الدافعة ليست بضعيفة. وأما إذا امتنعت أو قلّت، ووجد مع ذلك إما ثقل، وإمّا وخز وإما لذع وإما تمدد وإما ضربان وإمّا دوار وطنين، دل على سدد وضعف من القوّة الدافعة وامتلاء. ويستدلّ على جنسه بأن اللاذع الواخز المحرق القليل الثقل المصفر للون في الوجه والعين، يدلّ على أن المادة صفراوية. والضرباني الثقيل المحمّر للّون في الوجه والعين والنافخ للعروق، يدلّ على أنها دموية. والمكسِّل المبلد المصبِّر اللون معه إلى الرصاصيّة الجالب للنوم والنعاس، يدل على أنها بلغمية. فإنَ كمد اللون في تلك الحال وفسد الذِّكر وكان الرأس أخف ثقلاً ولم يكن النوم بذلك المستولي ولم يكن سائر العلامات، دل على أنها سوداوية.
فإنّ كان شيء من هذه مع طنين ودوار وانتقال، دل على أن المادة تولّد ريحاً ونفخاً وبخاراً، وأن له حرارة فاعلة فيها وأما إن كان احتباس الفضول مع خفّة الرأس، دل على اليبس على الإطلاق. وهذا الباب الذي أوردناه يختص بكميّة الانتفاض والامتناع، وإما من كيفيته فمثل الضارب إلى الصفرة والرقّة والحرارة والمرارة واللذغ، يدلّ علي أنها صفراوية وإلى الحمرة والحلاوة مع حمرة الوجه والعينين ودرور العَرَق والحرارة، يدل على أنها دمويّة. والمالح أو الحلو مع عدم سائر العلامات أو البور في البارد المَلْمَس أو الحار الملمس يدلّ على بلغم فعلت فيه حرارة، والتفه الغليظ البارد الملمس، يدل على بلغم فجّ وهذه الاستدلالات من كيفية المنتفض في طعمه ولونه ولمسه وقوامه.
وأما من الرائحة فعفن الرائحة وحدتها يدلّ على الحر وعدم الرائحة ربما دل على البرد ليس بدلالة الأوّل على الحر.
وأما ما يتعلق بالأشياء التي تظهر على جلدة الرأس وما يليها من القروح والبثور والأورام، فإنها تدلّ في الأكثر على مواد كانت فانتفضت ولا تدل على حال الدماغ في الوقت دلالة واضحة، اللهم إلا أن يكون في التزيد ولأنك عارف بأسباب الأورام الحارة والباردة والصلبة منها والسرطانيّة والقروح الساعية والساكنة وغير ذلك، فليس بصعب عليك الاستدلال منها على حال الرأس والشعر أيضاً، فقد عرفت في الكتاب الأوّل أسباب حدوثه وعرفت السبب في جعودته وسبوطته ورقّته وغلظه وكثرته وقلته وسرعة شيبه وبطئه، وستعلم سبب تشقّقه وتمرطه وانتثاره في أبواب مخصوصة، فيعرف منها كيفية الاستدلال من الشعر، ونحن نحيل بذلك على ذلك الموضع هرباً من التطويل والتكثير.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في الدلائل المأخوذة من الموافقة ] ●
والمخالفة وسرعة الانفعالات وبطئها

أما العلامات المأخوذة من جنس الموافقة والمخالفة وسرعة الانفعال وبطئه، فإنّ الموافقات والمخالفات لا تخلو إمّا أن تعتبر في حال لا ينكر صاحبها من صحّته التي يحسبه شيئاً أو في حال خروجه عن الصحة وتغير مزاجه عن الطبيعة، فموافقه في حال صحّته التي يحسبه هو الشبيه لمزاجه فمزاجه. يعرف من ذلك ومخالفه في تلك الحالة ضدّ مزاجه. وأما في حال خروجه عن صحته وتغيّر مزاجه عنه فالحكم بالضدّ وقد قلنا فيما سلف من الأقاويل الكليّة أنّ الصحّة ليست في الأبدان كلها على مزاج واحد وأنه يمكن أن تكون صحة بدن عن مزاج يكون مثله مما يجلب مرضاً لبدن آخر، لو كان له ذلك المزاج إلاّ أنه يجب أن يعتبر ما يخالفه في الطرف الآخر أيضاً مقيساً بما يخالفه في هذا الطرف حتى يعلم بالحدس المقدار الذي له من المزاج. فإنّ الإفراطين معاً مخالفان مؤذيان لا محالة، وإنما يوافق صحة ما، من الخارج عن الاعتدال، ما لم يفرط جداً والدماغ الذي به سوء مزاج حار، ينتفع بالنسيم البارد والأطلية الباردة والروائح الباردة طيبة، كانت كالكافوريّة أو الصندليّة والنيلوفريّة ونحوها أو منتنة كالحمئية والطحلبية. وينتفع بالدعة والسكون والذي به سوء مزاج بارد، ينتفع بما يضاد ذلك فينتفع بالهواء الحار والروائح الحارة الطيبة والمنتنة أيضاً المحلِّلة المسخّنة وبالرياضات والحركات، والذي به سوء مزاج يابس يتأذّى بما يستفرغ منه وينتفض عنه. والذي به سوء مزاج رطب ينتفع بما يستفرغ منه وينتفض عنه.
وأما الاستدلال من سرعة انفعالاته مثل أن يسخن سريعاً أو يبرد سريعاً، فالذي يسخن سريعاً يدل على حرارة مزاج على الشريطة المذكورة في الكتاب الكلّي، وكذلك الذي يبرد سريعاً وكذلك الذي يجفّ سريعاً، فقد يكون ذلك لقلّة رطوبته أو لحرارة مزاجه، ولكنّ الفرقان بينهما، أنّ الأوّل يوجد معه سائر علامات يبوسة الدماغ مثل السهر وغيره مما نذكره في باب علامات مزاج الدماغ. وهذا الثاني إما يعرض له اليبوسة في الأحايين عند حركة عنيفة أو حرارة شديدة، أو ما يجري مجراه من أسباب اليبوسة ثم لا يكون له في سائر الأوقات دليل اليبوسة. والذي لحرارة مزاجه، فيكون معه سائر علامات الحرارة في المزاج.
والذي يرطب سريعاً فقد يكون لحرارة جوهره، وقد يكون لبرد جوهره وقد يكون لأنّ مزاج جوهره الأصلي رطب وقد يكون لأنّ مزاج جوهره الأصلي يابس، فإن كانت من حرارة كانت هناك علامات الحرارة ثم كان ذلك الترطيب ليس مما يكون دائماً ولكنه عقيب حرارة مفرطة وقعت في الدماغ، فجذبت الرطوبات إليه فملأته، ثم إن بقي المزاج الحار غالباً أعقبه اليبس النفض وإن غلبت الرطوبات عاد الدماغ فصار بارداً رطباً، وإن استويا حدثت في أكثر الأمر العفونة والأمراض العفنة والأورام، لأن هذه الرطوبة ليست بغريزيّة فتتصرف فيها الحرارة الغريزيّة تصرفاً طبيعيّاً، بل إنما تتصرف فيها تصرفاً غريباً وهو العفونة.
وأما إن كان لبرد المزاج لم يكن حدوث الرطوبة دفعةً، بل على الأيام ثم يصير الترطّب ويكون بسرعة وتكون علامات برودة مزاج الدماغ موجودة وإن كان ذلك لرطوبة الدماغ نفسه فتكون السرعة في ذلك لأحد شيئين: إمّا لأن الرطوبة بفعل البرد ويفسد البرد القوة الهاضمة المغيرة لما يصل إلى الدماغ من الغذاء، فيظهر ترطب فماذا حدث ذلك البرد دفعةً، كان الترطب بسرعة بعده دفعة. وإذا حدث مع ذلك سدد في المجاري، عرض أن تحبس الفضول، ثم هذا يكون دائماً ولازماً ليس مما يكون نادراً وكائناً دفعةً دفعةً.
وأمّا الكائن ليبوسة الدماغ، فسببه النشف الذي يقع دفعة إذا وقعت يبوسة، ويكون مع علامات اليبوسة المتقدمة ويكون شبيهاً بما يقع من الحرارة إلا فيما يختلفان فيه من علامات الحرارة وعلامات اليبوسة. فهذه الدلائل المأخوذة من سرعة الانفعال وليس يجب أن يعتبر سرعة الانفعال بحسب ضعف القوى الطبيعية لا سيّما في الترطب، لأن ضعف القوى الطبيعية تابع لأحد هذه الأسباب، وليس كل الموافقات والمخالفات مأخوذة من جهة الكيفيّات، بل قد تؤخذ من جهة الهيئات والحركات كما يرى صاحب العلّة المعروفة بالبيضة، يؤثر الاستلقاء على سائر أوضاع ضجعته.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في الاستدلال الكائن من جهة مقدار الرأس ] ●

وأمّا التعرُّف الكائن بحسب صغر الرأس وكبره، فيجب أن تعلم أنّ صغر الرأس سببه في الخلقة قلّة المادة، كما أنّ سبب كبره كثرة المادة، أعني المادة النطفيّة المتوزعة في التوزيع الطبيعي للرأس ثم إن كان قلة المادة مع قوة من القوة المصورة الأولى، كان حسن الشكل وكان أقل رداءة من الذي يجمع إلى صغر الرأس رداءة الشكل في الخلقة التي تدلّ ، على ضعف القوّة، على أنه لا يخلو من ردِاءة في هيئة الدماغ وضعف من قواه وضيق لمجال القوى السياسية والطبيعية فيه. ولذلك ما بتّ أصحاب الفراسة القضية، بأنّ هذا الإنسان يكون لجوجاً جباناً سريع الغضب متحيّراً في الأمور.
وقال جالينوس: إنّ صغر الرأس لا يخلو البتة عن دلالة على رداءة هيئة الدماغ، وإن كان كبر الرأس ليس دائم الدلالة على جودة حال الدماغ ما لم يقترن إليه جودة الشكل وغظ العنق وسعة الصدر، فإنها تابعة لعظم الصلب والأضلاع التابعين لعظم النخاع وقوته التابعين لقوّة الدماغ، فإنّ كثرة المادة إذا قارنها قوة من القوّة المصورة كان الرأس على هذه الهيئة.
ومما يؤكد ذلك أن يكون هناك مناسبة لسائر الأعضاء، فإن قارنه ضعف منها كان رديء الشكل ضعيف الرقبة صغير الصلب، أو مؤفّ ما يحيط به.
وينبت عنه على أنّه قد يعرض من زيادة الرأس في العظم، ما ليس بطبيعي مثل الصبيان يعرض لهم انتفاخ الرأس، وتعظمه ما ليس في الطبع بل على سبيل المرض، ويكون السبب فيه كثرة مادة تغلي، وكذلك يعرض أيضاً للكبار في أوجاع الرأس الصعبة وقد يعرض أن يصغر اليافوخ ويلطأ الصدغ عند استعلاء الحمرة على الدماغ، فقد عرفت إذاً دلائل صغر الرأس وكبره. ومن علامات جودة الدماغ أن لا ينفعل من أبخرة الشراب وما سنصفه معها، وينفعل من تلطيفه وحرارته فيزداد ذهنه.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في الاستدلال من شكل الرأس ] ●

أمّا دلائل شكله، فقد عرفناك في باب عظم القحف أن الشكل الطبيعي للرأس ما هو، والرديء منه ما هو، وأن الرداءة للشكل إذا وقعت في جزء من أجزاء الرأس، أضرت لا محالة بخواص أفعال ذلك الجزء من الدماغ كالذي قد قال جالينوس: إن المسفط والمربّع مذموم دائماً والناتئ الطرفين مذموم إلاّ أن يكون السبب فيه قوّة من القوة المصورة، أي تكون أفرطت في فعلها، ويدلّ على قوة هذه القوة شكل العنق ومقداره والصدر.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في الاستدلال ممّا يحسه الدماغ ] ●
بلمسه من ثقل الرأس وخفته وحرارته وبرودته وأوجاعه

وأما الدلائل المأخوذة من ثقل الرأس وخفته، فإن ثقل الرأس دائماً يدلّ على مادة فيه لكن المادة الصفراوية تفعل ثقلاً أقل وإحراقاً أشد. والسوداوية ثقلاً أكثر من ذلك ووسوسة أكثر.
والدموية ثقلاً أشد منهما، وضرباناً ووجعاً في أصول العين لنفوذ الكيموس الحار وحمرة وانتفاخاً في العروق أشدَ. والبلغم ثقلاً أكثر من الجميع ووجعاً أقل من الدموي والصفراوي ونوماً أكثر من السوداوي وبلادة فكر وكسلاً وقلة نشاط.
وأما الدلائل المأخوذة من الحرارة والبرودة أعني ما يلمسه الرأس منهما في نفسه وما يلمسه غيره من خارج، فلا يخفى عليك: أما الحار فدليل على حرارة إن دام فمزاجيّة وإن حدث وآذى فعرضية. وكذلك حكم البارد على قياسه، وكذلك حكم القشف اليابس وعلى قياسه إن لم يكن برد من خارج مخشّن مقشف، وكذلك الرطب إنْ لم يكن حرّ من داخل معرق والأوجاع الأكالة التي تخيل أن في رأس الإنسان دبيباً يأكل، واللذّاعة فإنها تدلّ على مادة حارة، والضربانية على ورم حار. ويؤكد دلالتها لزوم الحمّى، والثقيلة الضاغطة على مادة ثقيلة باردة، والممددة على مادة ريحيّة. والانتقال يؤكد ذلك. والوجع الذي كأنه يطرق بمطرقة، يدل على مثل البيضة والشقيقة المزمنة، والوجع أيضاً يدل بجهته مثل أن الوجع الذي بمشاركة المعدة، يكون على وجه والذي بمشاركة الكبد، على هيئة أخرى كما سنذكره وقد يدل مع ذلك بدوامه، فإنّ الوجع إذا دام في مقدم الرأس ومؤخّره، أنذر بالعلّة المعروفة بقرانيطس.

●[ يتم متابعة المقالة الأولى: أمراض الرأس والدماغ ]●


القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الثالث : الأمراض الجزئية
منتدى حُكماء رُحماء الطبى . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 26 يونيو 2017 - 7:10