الفن الثاني : أمراض العصب

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2625
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

الفن الثاني : أمراض العصب

مُساهمة من طرف الإدارة في الأربعاء 14 ديسمبر 2016 - 10:50


بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الثالث : الأمراض الجزئية
الفن الثاني : أمراض العصب

● [ فصل في أمراض العصب ] ●

أمّا نفس العصب، فقد عرفت منشأة وتوزّعه وشكله وطبعه وتشريحه. وأما أمراضه، فاعلم أنه قد تعرض له أصناف الأمراض الثلاثة أعني المزاجية والآلية، وانحلال الفرد المشترك، وتظهر الآفة في أفعاله الطبيعية والحاسّة والمحرّكة.
والحركات العنيفة في إحداث علل العصب مدخل عظيم فوق ما في غيرها، فإنها آلات الحركات. والحركات العنيفة، هي مثل التمديد بالحبل، ورفع الشيء الثقيل، وكل ما فيه تمديد قوي، أو عصر وتقبيض، ومأخذ الاستدلال في أحواله من أفعال الحسّ والحركة، ومن الملمس في اللين والصلابة، ومن مشاركة الدماغ والفقار إياه، ومن الأوجاع والمواد التي تختصّ بالعصب، وأكثر العلامات التي يتوصل منها إلى معرفة أحوال الدماغ من ضرّ الأفعال ومن الملمس، وإذ أشكل في مرض من أمراض العصب أنه رطب، أو يابس تؤمل كيفية عروضه، فإنه إن كان قد عرض دفعةً، لم يشك أنه رطب. وأيضاً يعتبر انتشاف العضو للدهن، فإنه إن نشفه بسرعة، لم يشك أنه يابس بعد أن لا يكون العضو قد سخن سخونة غريبة.
والرياضة بعد التنقية أفضل مبدّل لمزاجه، ولكل عضو بحسبه، ويجب أن يبدأ بالأرفق، ويتدرّج إلى ما فيه قوّة معتدلة. وأما وجه العلاج، في تنقية الأعصاب وتبديل أمزجتها، فإن أكثر ما يحتاج أن يستفرغ عنه بالكلية إنما هو من المواد الباردة. ومستفرغاتها هي الأدوية القوية، مثل شحم الحنظل، والخربق، وخصوصاً الأبيض إذا قيء به، والفربيون، والأشج، والسكبينج، وسائر الصموغ القوية والأيارجات الكبار القوية. ومن استفراغاتها اللطيفة الحمام اليابس والرياضة المعتدلة. وأما مبدّلات أمزجتها فهي المذكورة في باب الدماغ، وخصوصاً ما كان فيه دهنية، أو كان دهناً، وإذا استعملت شحوم السباع، وإعكار الأدهان الحارة، مثل عكر الزيت، وعكر دهن الكتّان، كان موافقاً لأمراض العصب الباردة، وملائماً لصلابته. ودهن القسط، ودهن الحندقوقي، شديد الاختصاص بالأعصاب، ثم الأنطلة والعصارات بحسب الأمزجة، ولكنها تحتاج أن تكون أقوى جداً، وأن تبالغ في التدبير في تنفيذها بتحليل البدن وتفتيح المسام مبالغة أشدّ.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في إصلاح مزاج العصب ] ●

وأكثر ما يحتاجون إليه من المبدّلات ما يسخن، مثل ضمّاد الخردل، والثافيسا، وضمّاد الزيت، واستعمال الزيت المطبوخ فيه الثعالب الذي نصفه في باب أوجاع المفاصل، وكذلك المطبوخ فيه الضباع، وينتفعون بالصمغ الصنوبري جداً. واعلم أن أكثر أمراض العصب، يقصد في علاجها فصد مؤخر الدماغ إلا ما كان في الوجه، ثم بعد ذلك مبدأ العصب الذي يحرك ذلك العضو المريض عصبه. والعصب قد يضرّ بأشياء، وينتفع بأشياء، قد ذكرنا كثيراً منها في ألواح الأدوية المفردة، وإنما يعتبر ذلك في أحواله وأمراضه التي هي أخص به. فالأشياء المقويّة للأعصاب من المشروبات الوج المربّى، وجندبادستر، ولب حب الصنوبر، ودماغ الأرنب البري المشوي، والاسطوخودوس خاصة. والشربة منه كل يوم وزن درهم محبباً، أو بشراب العسل. وأوفق المياه لهم ماء المطر، وتنفعهم الرياضة المعتدلة والأدهان الحارة. والأشياء الضارة بالأعصاب الجماع الكثير المفرط، والنوم على الامتلاء، وشرب الماء البارد المثلوج، والكثير السكر، والشرب الكثير لشدة لذع الشراب، ولاستحالته إلى الخلية، فيبرد مع ذلك، ويضرهم كل حامض نافخ ومبرّد بقوة. والفصد الكثير يضرهم، ونحن نريد أن نذكر في هذه المقالة ما كان من أمراض العصب مزاجياً، أو سددياً. وأما أورامها وقروحها فنحن نؤخّرها إلى الكتاب الرابع الذي يتلو هذا الكتاب. واعلم أن الماء البارد يضرّ بالعصب لما يعجز عن هضم الرطوبات فيه، فينقلب خاماً. واعلم أن الغاريقون مقو للعصب مسخن منق جداً.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في الفالج والاسترخاء ] ●

الفالج قد يقال قولاً مطلقاً، وقد يقال قولاً مخصوصاً محقّقاً، فأما لفظة الفالج على المذهب المطلق، فقد تدلّ على ما يدل عليه الاسترخاء في أي عضو كان، وأما الفالج المخصوص فهو ما كان من الاسترخاء عاماً لأحد شقّي البدن طولاً، فمنه ما يكون في الشق المبتدأ من الرقبة، ويكون الوجه والرأس معه صحيحاً، ومنه ما يسري في جميع الشق من الرأس إلى القدم. ولغة العرب تدل بالفالج على هذا المعنى، فإن الفلج قد يشير في لغتهم إلى شق وتنصيف، وإذا أخذ الفالج بمعنى الاسترخاء مطلقاً، فقد يكون منه ما يعم الشقين جميعاً سوى الأعضاء الرأس التي لو عمها كان سكتة، كما يكون منه ما يختص بإصبع واحد.
ومعلوم أن بطلان الحس والحركة يكون لأن الروح الحساس، أو المتحرك، إما محتبس عن النفوذ إلى الأعضاء، وإما نافذ، ولكن الأعضاء لا تتأثر منه لفساد مزاج. والمزاج الفاسد، إما حار، وإما بادر، وإما رطب وإما يابس، ويشبه أن يكون الحال لا يمنع تأثير الحس فيها ما لم يبلغ الغاية، كما ترى في أصحاب الذبول والمدقوقين، فإنهم مع حرارتهم لا تبطل حركتهم وحسهم. واليابس أيضاً قريب الحكم منه، بل المزاج الذي يمنع على الحس والحركة في الأكثر هو البرد والرطوبة، وليس ذلك ببعيد، فإن البرد ضد الروح، وهو يخدره، والرطوبة لا يبعد أن تجعل العضو مهيأ للبلادة، فإن من أسباب بطلان الحركة برد أو رطوبة بلا مادة.
ولكن مثل ما يسهل تلافيه بالتسخين، وكأنه لا يكون مما يعم أكثر البدن، أو شقاً واحداً منه دون شق، بل إن كان ولا بد، فيعرض لعضو واحد، فيشبه أن يكون الفالج والاسترخاء الأكثري ما يكون بسبب احتباس الروح، وسبب الاحتباس الانسداد، أو افتراق المسام، والمنافذ المؤدية إلى الأعضاء بالقطع، والانسداد، إما على سبيل انقباض المسام، وإما على سبيل امتناع من خلط ساد، وإما على سبيل أمر جامع للأمرين وهو الورم، فيكون سبب الاسترخاء والفالج الفاعل لانقطاع الروح عن الأعضاء انقباضاً من المسام، أو امتلاء، أو ورماً، أو انحلال فرد، فالانقباض من المسام، قد يعرض لربط من خارج بما يمكن أن يزال، فيكون ذلك الاسترخاء، وذلك البطلان من الحس والحركة أمراً عرضياً يزول بحل الرباط، وقد يكون من انضغاط شديد كما يعرض عند ضربة أو سقطة، وكما يعرض إذا مالت الفقرات وانكسرت إلى أحد جانبي يمنة ويسرة، فتضغط العصب الخارج منها في تلك الجهة، أو إلى قدام وخلف، فيعرض منه أكثر الأمر تمديد لا ضغط، لأن التقاء الفقرات في جانبي قدام وخلف ليس على مخارج العصب، لأن مخارج العصب على ما علمت ليست من جهتي قدام وخلف. وقد تنقبض المسام بسبب غلظ جوهر العضو. وأما الامتلاء الساد فيكون من المواد الرطبة السيالة التي ينتفع بها العضو، فتجري في خلل الأعصاب كلها أو تقف في مبادي الأعصاب أو شغب الأعصاب، وتسد طريق الروح الساري فيها.
وأما الورم، فذلك أن يعرض أيضاً في منابت الأعصاب وشعبها ورم، فيه المنافذ، وأما القطع الذي يعرض للعصب فما كان طولاً، فلا يضر الحس والحركة، وما كان عرضاً، فيمنع الحس والحركة من الأعضاء التي كانت تستقي من المجاري التي كانت متصلة بينه وبين الليف المقطوع الآن، واعلم أن النخاع مثل الدماغ في انقسامه إلى قسمين، وإن كان الحس لا يميزه، وكيف لا يكون كذلك، وهو ينبت أيضاً عن قسمي الدماغ، فلا يستبعد أن تحفظ الطبيعة إحدى شقيه، وتدفع المادة إلى الشق الذي هو أضعف، أو الذي هو أقبل للمادة أولاً، أو الذي عرضت له الضربة والصدمة، أو الذي اندفع إليه فضل من الشق الذي يليه من الدماغ، ولا ينبغي أن يتعجب من اختصاص العلة بشق دون شق، فإن الطبيعة بإذن خالقها تعالى قد تميز ما هو أدق من هذا، وتذكر هذا من أصول أعطيناك في الكتاب الأول.
واعلم أنه كثيراً ما تندفع المادة الرطبة إلى أطراف العلية حر على البدن أو لحركة مغافصة من خوف أو جزع أو غضب أو كدر أو غم.
واعلم أنه إذا كانت الآفة والمادة التي تفعل الفالج في شق من بطون الدماغ، عم شق البدن كله وشق الوجه معه، أو مجاريه كانت سكتة، فإن كانت عند منبع النخاع، كان البدن كله مفلوجاً دون أعضاء الوجه، وربما وقع في ذلك خدر في جلدة الرأس، إن امتنع نفوذ الحس، لأن جلدة الرأس يأتيها العصب الحاس من العنق كما بينا، وإن كان في شق من منبت النخاع، عم الشق كله دون الوجه، وإن كان نازلاً عن المنبت مستغرقاً أو في شق من استرخى وفلج ما يليه العصب منه عن الأعضاء، وإن لم يكن من النخاع بل من العصب استرخى ما يخص ذلك العصب إن كان في جل العصب، أو في نصفه، أو بعض منه، استرخى ما يتحرك بما يأتيه من ذلك المؤف بسبب مادة أو انحلال فرد أو ورم. ومن الفالج ما يكون بحراناً للقولنج، وكثيراً ما يبقى معه الحس، لأن المادة تكون معه في أعصاب الحركة دون الحس. وذكر بعض الأولين أن القولنج عم بعض السنين، فقتل الأكثر ومن نجا نجا بفالج مزمن أصابه كأن الطبيعة نفضت تلك المادة التي كانت تأتي الأمعاء وردّتها إلى خارج، وكانت أغلظ من أن تنفذ بالعرق، فلحجت في الأعصاب وفعلت الفالج. وأكثر ما يقع من هذا يكون مع ثبات الحسّ بحاله. ومن الفالج ما يكون بُحراناً في الأمراض الحادّة ستنتقل به المادة إلى الأعصاب، وذلك إذا لم تقو الطبيعة للسن، أو الضعف على تمام استفراغ، فبقيت بواق من المادة في نواحي الدماغ، فبقي بعد المنتهى صداع، وثقل رأس، ثم دفعته الطبيعة دفع ثقل لا دفع استفراغ تام، فأحدثت فالجاً ونحوه. وأكثر ما يعرض الفالج، يعرض في شدّة برد الشتاء، وقد يعرض في الربيع لحركة الامتلاء، وقد يعرض في البلاد الجنوبية لمن بلغ خمسين سنة ونحوه على سبيل نوازل مندفعة من رؤسهم لكثرة ما يملأ المزاج الجنوبي الرأس. ونبض المفلوج ضعيف بطيء متفاوت، وإذا أنهكت العلّة القوة، ضعف النبض وتواتر، ووقعت له نترات بلا نظام. والبول قد يكون فيه على الأكثر أبيض، وربما أحمر جداً لضعف الكبد عن تمييز الدم عن المائية، أو ضعف العروق عن جذب الدم، أو لوجع ربما كان معه، أو لمرض آخر يقارنه، وقد يعرض أن يكون الشقّ السليم من الفالج مشتعلاً كله في نار، والآخر المفلوج بارداً كأنه ثلج، ويكون نبض الشقين مختلفاً، فيكون نبض الشق البارد ساقطاً إلى ما توجبه أحكام البرد، وربما تأذى إلى أن تصغر العين من ذلك الشقّ، وما كان من الأعضاء المسترخية والمفلوجة على لون سائر البدن ليس يصغر ولا يضمر فهو أرجى مما يخالفه، وقد ينتقل إلى الفالج من السكتة، ومن الصرع، ومنَ القولنج، ومن اختناق الأرحام، ومن الحميات المزمنة على سبيل البحران أيضاً. والفالج الحادث عن زوال الفقار قابل في الأكثر، والذي عن صدمة لم يدقّ العصب دقاً شديداً، فقد يبرأ، فإن أفرط لم يرج أن يبرأ، والذي يرجى منه يجب أن يبدأ فيه بالفصد. وقد ذكرنا كيف تنبسط مادة الفالج إلى السكتة وبالعكس.
العلامات :
أما إن كان عن التواء، أو سقطة، أو ضربة، أو قطع، فالسبب يدلّ عليه، وربما خفي لسبب في القطع إذا كان العصب غائراً، فيدل عليه أنه يقع دفعه ولا ينفعه تدبير. وأما الذي يقبل العلاج، فهو ما ليس عن قطع، بل مع ورم ونحوه، وإن كان عن ورم حار، فالتمدد والوجع والحمّى يدلّ عليه، وإن كان عن ورم صلب، فيدل عليه اللمس، وتعقد محسوس في العصب، ووجع متقدم، فإنه في الأكثر بعد ضربة أو التواء أو ورم حار. وأما إن كان عن ورم رخو، فالاستدلال عليه شاق، إلا أنه على الأحوال لا يخلو عن وجع يسير وخدر، وعن حمّى لينة، وعن زيادة الوجع ونقصانه بحسب الحركات والأغذية، ولا يكون حدوثه دفعة. ومن جميع هذا فإن العليل يحسّ عند إرادة الحركة كأنَّ مانعاً له في ذلك الموضع بعينه. وأما الفالج الكائن عن الرطوبة الفاشية، فيحسّ صاحبه بسبب فاش في جميع العضو المفلوج.
وأما الكائن عن غلظ العصب، فيدل عليه عسر ارتداد العضو عن قبض يتكلّفه العليل إن أمكنه، أو يفعله غير إلى الانبساط والاسترخاء، ولا تكون الأعضاء لينة كما في الفالج المطلق، وإن كانت المادة مع دم، دلّت عليه الأوداج، والعروق، والعين، وامتلاء النبض، والدلائل المتكررة مراراً، وإن كان من رطوبة مجرّدة دلّ عليه البياض والترهّل، وإن كان عقيب قولنج أو حميّات حادة دل عليه القولنج والحمّيات الحادة. وأما إن كان سببه سوء مزاج مفرد بارد، أو رطب، فأن لا يقع دفعة، ولا يكون هناك علامات أخرى ويحكم عليه باللمس والأسباب المؤثرة في العضو. قيل: إذا رأيت بول الصبي أخضر، فانذر منه بفالج أو تشنج.
المعالجات :
يجب أن يكون فصدك في أمراض العصب الخمسة، أعني الخَدَر، والتشنّج، والرعشة، والفالج، والاختلاج قصد مؤخر الدماغ ولا تعجّل باستعمال الأدوية القوية في أول الأمر، بل أخّر إلى الرابع أو السابع، فإن كانت العلة قوية فإلى الرابع عشر، وفي هذا الوقت فلتقتصر على أشياء لطيفة مما يليّن وينضج ويسهّل. والحقن لا بأس بها في هذا الوقت، ثم بعد ذلك فاستفرغ بالمستفرغات القوية. وأما تدبير غذائهم، فإنه يجب أن تقتصر بالمفلوج في أول ما يظهر على مثل ماء الشعير، وماء العسل يومين أو ثلاثة، فإن احتملت القوة، فإلى الرابع عشر، فإن لم تحتمل غذّيته بلحوم الطير الخفيفة، واجتهد في تجويعه وإطعامه الأغذية اليابسة عليه، ثم تعطّشه تعطيشاً طويلاً، وينفعهم الانتقال بلبّ حب الصنوبر الكبار لخاصية فيه. واعلم أن الماء خير لهم من الشراب، فإن الشراب ينفذ المواد إلى الأعصاب، والكثير منه ربما حمض في أبدانهم، فصار خلاً، والخلّ أضرّ الأشياء بالعصب.
وأما ما كان عن التواء أو انضغاط، فتعالج بما حددناه في باب الالتواء والانضغاط من بعد، وإن كان عن سقطة أو ضربة، فعلاجه صعب، على أنه على كل حال يعالج بأن ينظر هل أحدث ذلك الالتواء ورماً، أو جذب مادة، فتعالج كلاً بواجبه، ويجب أن توضع الأدوية في علاج ذلك في أي عرض كان على مواضع الضربة، وعلى المبدأ الذي يخرج منه العصب المتجه إلى العضو المفلوج، وأما وضع الأدوية على العضو المفلوج نفسه، فمما لا ينفع نفعاً يُعتد به، وعليك بمنابت الأعصاب سواء كان الدواء مقصوداً به منع الورم، أو كان مقصوداً به الإرخاء، أو كان مقصوداً به التسخين وتبديل المزاج. وربما احتيج أن يوضع بقرب العضو المضروب والمتورّم الآخذ في الانحلال محاجم تجنب الدم عنه إلى جهة، أو إلى ظاهر البدن. وأما إن كانت العلة هي الفالج الحقيقي الكائن لاسترخاء العصب، فالذي يجب بعد التدبير المشترك هو استفراغ مادته بما ذكرناه ورسمناه وحمدناه في استفراغ المواد الرقيقة بعينه بلا زيادة ولا نقصان. وأنفع ما يستفرغون به حبّ الفربيون، والحبّ البيمارستاني، وحبّ الشيطرج، وحب المنتن، وأيارج هرمس، والتنقية بالخربق الأبيض بحاله، أو بعصارة فجل فيه قوّته، وكذلك سائر المقيّئات نافعة له، وربما درج عليه في ذلك فيسقى الترياق من دانق دانق، ثم يزيد يسيراً يسيراً، ولا يزاد على الدرهم، وقد يخلط بسمسم مقشّر وسكر، وقد يتناول السكنجبين بحاله والجاوشير بحاله، والجندبادستر بحاله بشراب العسل. والشربة مقدار باقلاة، وهي نافعة لهم جداً.
ويجب أن يحقنوا بالحقن القويّة، ويحملوا الشيافات القوية، وتمال موادهم إلى أسفل، وتمرخ فقارهم بالأدهان القويّة، وينفعهم المروخات الحارة من الأدهان والضمادات المحمرة التي تكرر ذكرها مراراً، خصوصاً إذا بطل الحسّ.
وأصل السوسن من الأدوية الجيدة التحمير يحكّ تحكيكاً مروخياً، وينفعهم وضع المحاجم على رؤوس العضل من غير شرط، ولكن بعد الاستفراغ، وإنما ينفعهم من جهة ما يسخن العضل، وربما احتيج إلى شرط ما، ويجب أن تكون المحاجم ضيقة الرؤوس وتلصق بنار كثيرة ومصّ شديد عنيف وتقلع بسرعة، وإذا استعملت المحاجم، فيجب أن تستعمل متفرقة على مواضع كثيرة إن كان الاسترخاء كثيراً متفرقاً، وإن كان غير كثير فتوضع مجتمعة، ويستعمل عليها بعد ذلك الزفت، وصمغ الصنوبر، وتستعمل عليها الضمّادات الحارة المحمرة، مثل ضمّاد دقيق الشيلم والسوسن بعسل.
وضمّاد الخردل أيضاً مما ينفعهم، ويبدل كلما ضعف إلى أن يحمّر العضو وإلى أن يتنفّط. وضماد الشيطرج عظيم النفع من الفالج، وهو عند كثير منهم مغن عن الثافسيا والخردل. وضماد الزفت أيضاً نافع، وخصوصاً بالنطرون والكبريت والدلك بالزيت والنطرون والمياه الكبريتية وماء البحر والنطولات الملطّفة.
وإذا كان الحس ضعيفاً، فربما نكأ الضمّاد القوي، ولم يحس به وتأدّى ذلك إلى آفة وتقريح شديدين، فيجب أن يتحرّز من ذلك وأن يتأمل حال أثر الضماد، فإن حمّر ونفخ تحميراً ونفخاً لا يتعدّى الجلد، ويتعرّف بغمز الإصبع غمزاً لطيفاً ويبيضّ مكانه، فالأثر لم يجاوز الجلد، وإن كان التحمير أثبت، والحرارة أظهر فامسك. ووجه تعرّف هذا أن تزيد الضمّاد كل وقت وتطالع الحال، فإن أوجبت الإمساك أمسكت، وإن أوجبت الإعادة أعدت.
واعلم أن نفخ الكندس في اَنافهم نافع جداً، وكذلك ما يجري مجراه، لأنه ينقّي الدماغ ويصرف المواد الفاعلة للعلة عن جهة العلة، والشراب القليل العتيق نافع جداً من أمراض العصب كلها، والكثير منه أضرّ الأشياء بالعصب، واستعمال الوجّ المربى مما ينفعهم، وكذلك تدريجهم في سقي الأيارجات ومخلوط بمثله جندبيدستر حتى يبلغوا أن يسقى منه وزن ستة دراهم، وكذلك سقي دهن الخروع بماء الأصول نافع جداً.
ومن الناس من عالج الفالج بأن سقى كل يوم مثقال أيارج، بمثقال فلفل فشفي. ويجب إذا سقوا شيئاً من هذا أن لا يسقوا ماء ليطول بقاؤه في المعدة، وربما مكث يوماً أجمع، ثم عمل، وربما سقوهم ليلاً مثِقالاً من فلفل مع مثقال جندبيدستر، ولا شيء لهم كالترياق، والمثريديطوس، والشليثا، والأنقرديا، خاصة. والحلتيت أيضاً شديد النفع شرباً وطلاء، وخصوصاً إذا أخذ في اليوم مرتين، والمرقة عجيبة أيضاً، وإذا أقبل العضو، فيجب أن تروّضه بعد ذلك وتقبضه وتبسطه لتعود إليه تمام العافية، وقد ينتفعون بالحمّى وينتفعون بالصياح والقراءة الجهيرة، وبعد الاستفراغات والانتفاع بها يستعملون الحمام الطويل اليابس، أو ماء الحمّامات، وفي آخر الأمر وبعد الاستفراغات وحيث يجب أن يحلّل ينبغي أن لا تكون التحليلات بالمليّنة الساذجة، ولكن مع أدنى قبض، ولذلك يجب أن يكون التحليل بماء الأنيسون، والميعة، والأذخر، والجندبيدستر وما أشبهه من الحارة القابضة.
وأما الكائن بعد القولنج، فينفعهم الدواء المتخذ بالجوز الرومي المكتوب في القراباذين، وينفعهم الأدهان التي ليست بشديدة القوة وكثرة التركيب، ولكن مثل دهن السوسن، ودهن الناردين، ودهن الخروع، ودهن النرجس، ودهن الزنبق، وجرب دهن الجوز الرومي، ودهن النرجس المتخذ بصمغ البلاذر، فوجد جميعه نافعاً لخاصيته.
وقد انتفع منهم خلق كثير بما يقوّي ويبرد ويمنع المادة، وكان إذا عولج بالحرارة زادت العلة، وذلك لأن المادة الرقيقة كان ينبسط بها أكثر، وكان إذا برد العضو يقوى العضو بالبرد، ويصغر حجم المادة، وصار إلى التلاشي، ولا يجب أن يبالغ في تسخينهم، ولكن يحتاج أن تكون الأدوية مقوّاة بمثل البابونج، وإكليل الملك، والمرزنجوش، والنعناع والفوتنج، ويخلط بها غيرها أيضاً مما له أدنى تبريد، مثل رب السوس، وبزر الهندبا وغيره، فهذه الأشياء إذا استعملت نفعت جداً. وأما الكَائن عن القطع فلا علاج له البتة، وأما الكائن عن مزاج بارد، فبالمسخّنات المعروفة، ومن كان سبب مزاجه ذلك شرب الماء الكثير، فليستعمل الحمّام اليابس. واعلم أنه إذا اجتمع الفالج والحمّى فأخّر الفالج والسكنجبين مع الجلنجبين نعم الدواء لهذا الوقت.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في التشنّج ] ●

التشنج علة عصبية تتحرّك لها العضل إلى مباديها، فتعصى في الانبسَاط، فمنها ما تبقى على حالها، فلا تنبسط، ومنها ما يسهل عوده إلى البساط كالتثاؤب والفواق. والسبب فيه، إما مادة، وإما سبب غير المادة، مثل حر أو يبس. ومادة التشنّج في الأكثر تكون بلغمية، وربما كانت سوداوية، وربما كانت دموية، وذلك في أورام العضل إذا تحللت المادة المورمة قرح ليف العصب، فزادت في عرضه ونقصت من طوله.
وكل تشنّج مادي، فإما أن تكون المادة الفاعلة له مشتملة على العضل كله، وذلك إذا كان تشنجاً بلا ورم، وإما أن تكون حاصلة في موضع واحد، ويتبعها سائر الأجزاء، كما تكون عن التشنج الكائن للورم عن مادة منصبة لضربة، أو لقطع، أو لسبب آخر من أسباب الورم، ولا يبعد أن يكون من التشنج ما يحدث من ريح نافخة كثيفة.
وأرى أنه مما يعرض كثيراً ويزول في الوقت. والتشنج المادي، قد يعرض كثيراً على سبيل انتقال من المادة كما يعرض عقيب الخوانيق، وعقيب ذات الجنب، وعقيب السرسام. وأما الذي يكون من التشنج لفقدان المادة والرطوبة وغلبة ليبس، فيعرض من ذلك أن ينتقص طولاً وعرضاً وينشوي، فيجتمع إلى نفسه كحال السير المقدّم إلى النار وأنت تعلم حال الأوتار أنها تقصر في الشتاء للترطب، وتقصر في الصيف للتجفف، وكذلك حال العصب، وقد يكون من التشنّج الذي لا ينسب إلى مادة ما تقع بسبب شيء مؤذٍ ينفر عنه العصب، ويجتمع لدفعه.
وذلك السبب، إما وجع من سبب موجع وكثيراً ما يكون من خلط حار لاذع وإما كيفية سمية تتأدى إلى الدماغ والعصب، كما تعرض لمن لسعته العقرب على عصبه، وإما كيفية غير سمية مثل ما يعرض التشنّج من برد شديد يجمع العصب والعضل ويكتفه، فيتقلص إلى رأسه وكما أن الاسترخاء قد كان يختلف في الأعضاء بحسب مبادي أعضائه، فكذلك التشنّج.
والقياس فيهما واحد فيما يكون دون الرقبة، وفي قدام وخلف في جهة، وما يكون فوق الرقبة. والتشنّج الامتلائي الرطب سببه الذاتي، أما الرطوبة والبرد يعينه على إجماده وتغليظه فلا ينبسط وأما اليبوسة والحرّ يعين على مبالغته بتحليل الرطوبة. والمادة الفاعلة للتشنج إنما تشنج ولا ترخي لغلظها ولأنها غير مداخلة لجوهر الليف مداخلة سارية منتفعة فيها، ولكنها مزاحمة في الفرج، وكأن التشنج صرع عضو كما أن الصرع تشنج البدن كله. والفرق بينهم العموم والخصوص، وأن أكثر الصرع ينحلّ بسرعة وقد يكون بأدوار وغير ذلك من فروق تعلمها.
ومن التشنج الرطب ما يعرض للمرضعات بمجاورة الثدي، وترطيب اللبنية للأوتار، وجمود اللبن فيها، ومنه ما يعرض للسكارى، ومنه ما يعرض للصبيان لرطوبتهم، وكثيراً ما يعرض لهم في حميّاتهم الحادة، وعند اعتقال بطونهم، وفي سهرهم وكثرة بكائهم يتشنّجون أيضاً في حمّياتهم، وإن كانت حمياتهم خفيفة. وبالجملة فإن الصبيان يسهل وقوعهم في التشنج لضعف قوى أدمغتهم وأعصابهم، وضعف عضلهم، ويسهل خروجهم عنه لقوة قوى أكبادهم وقلوبهم، ولأن أخلاطهم ليست بعاصية شديدة الغلظ، ولذلك يعافون عن التشنج اليابس بسرعة لرطوبة مزاجهم ورطوبة غذائهم. وأما البالغون فلا يسهل أحد الأمرين فيهم. على أنه قد يعرض للصبيان تشنج رديء عقيب الحميات الحادة، وتكون معه العلامات التي تذكر، فقلما يتخلصون منها.
وأما من جاوز سبع سنين فلا يتشنج إلا لحمى صعبة جداً، ومن التشنّج ما يعرض للخوف، والسبب فيه أن الروح الباسط يغور دفعة ويستتبع العضل متحركة إلى المبادي، ثم تجمد على هيئتها. ومن التشنج ما يقع بسبب الاعتماد على بعض الأعضاء وهو منقبض، فتنصب إليه مادة وتحتبس فيه وفي هيئته وعلى هندام انقباضه، وربما كان عن ضربة فعلت ذلك، أو حمل حمل ثقيل أو نوم على مهاد صلب، وهذا مما يزول بنفسه، وربما كان هذا الخدر يصيب العضو لامتلاء من ماد منصبة تزاحم الروح المحرّك، وتمنع نفوذه فلا يمكن أن يحرك إلى الانبساط، وإذا عادت القوة، وفرّقت المادة انبسط. وقد يكون من الامتداد مثله، وهذا كثيراً ما يكون بعد النوم عند الانتباه إذا بقيت الأعضاء المقبوضة لا تتمدد، لأن الروح أيضاً في النوم أكسل، فلا يلج في الانبساط لميله إلى الاستبطان.
وأما التشنج اليابس، فمنه ما يكون عقيب الدواء المسهل، وهو رديء جداً، وكذلك عقيب كل استفراغ، ومنه ما يكون أيضاً عقيب الحميات المحرقة، أو خصوصاً في حمّيات السرسام، وعقيب الحركات العنيفة البدنية والنفسانية، كالسهر، والغم والخوف، وذلك مما يضل التخلص عنه، وقد يكون من التشنج ما يعرض في الحمّيات مع ذلك، وليس برديء جداً، وهو الذي يكون من تسييلها المواد في العصب والعضل، وخصوصاً إذا كان البدر ممتلئاً، وربما عرض ذلك فيها بمشاركة فم المعدة، ويزيله القيء. ومثل هذا التشنّج من الحميات ليس بذلك الصعب الرديء، إنما الصعب الرديء ما كان في الحميات المحرقة، والسرسام الذي يجفف العصب والعضل ويشوي الدماغ، وما كان في الحمّيات المزمنة الذي يجفف العصب والعضل، بل الدماغ ويفني الرطوبة الغريزية فيشنّج، وقد يكون من هذا اليابس ما يكون ويبطل سريعاً، والسبب فيه يبوسة الدماغ للضعف، فيتبعه يبوسة الأعصاب، فإنه إذا أصاب الدماغ أدنى سبب مجفف، استرجع الرطوبة من الأعصاب والنخاع، فانقبضت الأعصاب، ثم إذا عنيت الطبيعة بإفادة الدماغ رطوبة كافية عادت الأعضاء مطيعة للانبساط بتكلف، وكما يقع من شدة برد، فإنه كثيراً ما ينفع التشنج لبرودة الدماغ ومشاركة العضل له. والتشنّج المؤذي هو الكائن عن اليبوسة، ومن التشنج الكائن باليبوسة ما يكون بنوع جمود الرطوبة، فيقل حجمها ويتكاثف جماً، فيشنج العضو كما يقع من شدة البرد، وكما يقع لمن شرب الأدوية المخدرة كالأفيون. وأما التشنج الكائن بسبب الأذى فكتشنج شارب الخربق، فإنه يشنج بعد الإسهال باليبوسة ويشنج أيضاً قبله لمضادته وسميته، فيؤذي العصب أذى شديداً ينقبض معه. ومن هذا القبيل تشنج من قاء خلطاً زنجارياً نكأ في فم المعدة، والتشنّج الكائن بسبب قوة حس فم المعدة إذا اندفع إليه مرار، والتشنج الكائن بمشاركة الدماغ للرحم في أمراضها والمثانة وغير ذلك، والتشنج الكائن عن لسعة العقرب والرتيلاء والحية على العصبة، أو قطع يصيب العصب، أو كله، والكائن لعلة في المعدة والرحم والأعضاء العصبية. وقريب من هذا التشنج العارض بسبب الديدان.
ومن التشنج الرديء ما كان خاصاً في الشفة والجفن واللسان، فيعلم أن سببه من الدماغ نفسه، وإذا مال البدن في تشنجه إلى قدام، فالتشنج في العضلات المتقدمة، أو إلى خلف فالتشنج في عضلات الخلف، أو مال إليهما جميعاً، فالعلة فيهما جميعاً مثل ما كان في الفالج.
وربما اشتد التشنج حتى يلتوي العنق، وتصطك الأسنان، وكل من مات من التشنج مات وبدنه بعد حار، وذلك مما يقتل بالخنق وإنما يقتل بالخنق لأن عضل التنفس تتشنّج وتبطل حركتها، وكل تشنج يتبع جراحة، فهو قتال وهو من علامات الموت في أكثر الأمر.
العلامات :
نبض المتشنّجين متمدد مختلف في الموضع يصعد وينزل كسهام تنقلب من قوس رام، وتختلف حركات نقراته في السرعة والبطء، ويكون العرق حاراً أسخن من سائر الأعضاء ويكون جرم العرق مجتمعاً كاجتماع العرق في النافض، لا كالمنضغط، وكما يكون عند صلابة العرق لطول المرض، أو الكائن مع وجع الأحشاء، ولكن كاجتماع أجزاء مصران متمدد من طرفيه. وسنذكر أمارات الوجع في التشنج من بعد قليل، أما التشنج الكائن عن الامتلاء، فعلامته أن يحدث دفعة ولا يتشرب سريعاً ما يجعل عليه من دهن إلا أن يكون أصابته حرارة قريبة العهد. وأما الكائن عن اليبوسة، فيكون قليلاً قليلاً، وعقيب أمراض استفراغية أي جنس كان، أو استفراغ بأدوية أو هيضة واستفراغ من ذاته. وأما الكائن عن الأذى، فتعرفه بالسبب الخارج والمشروبات، مثل الأفيون والخربق وغيره، ومثل أنه إذا كان الأذى من المعدة، فيشاركها الدماغ، ثم العصب أحس قبل ذلك بغشي وكرب وانعصار المعدة، وربما كان يجد ذلك مدة التشنج، وربما كان ذلك التشنج عقيب قيء كراثي، أو زنجاري، وكذلك الذي يكون لِقُوة حسّ فم المعدة، فكلما انصب إليه مادة تشنج صاحبها، ولكن يتقدمه أذى في فم المعدة ولذع.
وقد يقع مثل ذلك في أمراض الرحم والمثانة وغيرهما إذا قويت، ويكون مع ألم ووجع شديد وآفة في ذلك العضو ويتقدم التشنج. وأما سائر التشنج، فإما أن لا يكون معه ألم، أو يكون الألم حادثاً عن التشنج، لا التشنج حادثاً عن الألم. وأما الكائن عن الورم، فيعرف بما قد قلناه.
ومن الدلائل الدالة على حدوث التشنّج، صغر النبض وتفاوته أولاً، ثم انتقاله إلى ما قيل وكثيراً ما يحمر الوجه ويظهر بالعينين حول وميلان، وفي التنفس انقطاع وانبهار، وربما عرض ضحك لا على أصل، وتعتقل الطبيعة، وتجفّ. والبول أيضاً كثيراً ما يحتبس وكثيراً لا يحتبس، ويخرج كمائية الدم، ويكون ذا نفاخات، ويعرض لهم فواق وسهر، وصداع، ورعشة، ووجع تحت مفصل العنق بين الكتفين، وعند مفصل القطن، والعصعص، ودون ذلك، ويدلّ على أن التشنج الواقع بسبب الحمى، وينذر به في الحميات عوج في العين، وحمرة في الطرف، وحول وتصريف الأسنان، وسواد اللسان، وامتداد جلدة الرأس، واحمرار البول أولاً، ثم ابيضاضه لصعود المادة إلى الرأس، وضربان الأصداغ وعروق الرأس، وربما جف به البطن، أو تشنج. وقد قال بقراط: لأن تعرض الحمى بعد التشنج، خير من أن يعرض التشنج بعد الحمى، معناه أن الحمّى إذا طرأت على التشنج الرطب حللته، وأما التشنج الذي يحدث من الحمى، فهو اليابس الذي قلما يقبل العلاج، ويعرض قبله تفزع في النوم، وتحول من اللون إلى حمرة، وخضرة، وكمودة، واعتقال من الطبيعة. والبول القيحي في الحمّى والقشعريرة إذا صحبه عرق في الرأس وظلمة في العين، دلّ على تشنّج سببه دبيلة في الأحشاء، فإن كان التشنّج مع الحمى، ولم يكن من قوة تلك الحمّى وطول مدتها أن تحرق الرطوبات أو تفشيها، فذلك من الجنس الذي ليس به ذلك اليابس كله، ومن العلامات الرديئة في التشنّج الرطب أن في الريح في الأعضاء، وخصوصاً إذا انتفخ معه البطن، وخصوصاً إذا كان في ابتدائه. والبول الحار في التشنّج وفي التمدّد رديء، يدل على أن السبب حرارة ساذجة، وإذا كان مع التشنّج ضربان في الأحشاء أو اختلاج، فذلك دليل رديء، فإن الضربان يدل على أحد أمرين، إما ورم في الأحشاء معظم للضربان، أو نحافة فيها، فيظهر النبض العظيم الذي للضارب الكثير، والخوانيق إذا مالت موادها إلى العصب منتقلة إليه لتحدث التشنّج، دلّ عليه ظهور التشنّج في النبض. وذات الجنب إذا مالت مادتها إلى ذلك، دل عليه شدّة ضيق النفس، وأن لا تكون الحمى شديدة جداً، وإذا انتقل مادة السرسام إلى ذلك ابتدأ بكثرة طرف، وتصريف أسنان، ثم احولت العين، واعوجّ العنق، ثم فشا التشنّج.
المعالجات :
أما الكائن عن ضربة، فيجب أن تستعمل فيه النَطُولات المرخيّة المتخذة بكشك الشعير، والبابونج، والخطمي، ودقيق الحلبة وما أشبه ذلك. وقد بينا في القانون موضع استعماله.
وأما الكائن من الأذى، فإن كان لشرب شيء، فيعالج بما تعرفه في أبواب السموم، وإن كان لحمّى، فيعالج بالترطيب الشديد للدماغ والعصب والعضلات بالمروخات الشديدة الترطيب مما قد عرف، ويلزم البيت البارد، وإن كان لوجع، فيسكن الوجع بعد أن ينظر ما هو ويقطع سببه، وإن كان من لسعة، فيعالج بما نقوله في أبواب اللسوع، وإن كان عن ورم، فيعالج بما نقوله في علاج أورام العصب، وإن كان عن يبس، فعلاجه يصعب. وأوفق علاجه الآبزن، والتمريخ بالدهن المرطب بعده، وتكريره مراراً، وذلك إن لم يكن حمى بحيث لا تفتر البتة، وتتعهد للمفاصل كلها بذلك، وإن أمكن أن يجعل الآبزن من لبن فعل، وإلا فمن مياه طبخ فيها ورق الخلاف، والكشك، والبنفسج، والنيلوفر، والقرع، والخيار، ويتخذ له آبزن كله من عصارة القرع، أو عصارة القثاء، أو يكون كل ذلك من ماء الورد الذي طبخ فيه شيء من هذه، أو ماء بطيخ هندي، أو ما أشبه ذلك. وإذا اتخذ لهم حقن من هذه العصارات والأدهان والسلاقات المرطبة الدسمة كان شديد النفع، ويستعمل على المفاصل وعلى منابع العضلات، الأدهان تعرق تعريقاً بعد تعريق مع عناية بالدماغ جداً، وترطيب ما علمناكه في ترطيب الدماغ، ويسقى العليل اللبن الحليب شيئاً صالحاً إن لم يكن حمى، وماء الشعير، وماء القرع، وماء البطيخ الهندي، والجلاب، كان حمى أو لم يكن، فإن مزج بشيء من هذه قليل شراب أبيض رقيق لينفذ، كان صالحاً، وكذلك يجعل ماؤه ممزوجاً بشيء من شراب، ويجب أن يدام عليه هذا العلاج من غير أن يحرّك، أو يلزم رياضة، وإن أمكن أن يغمس بكلية بدنه في دهن مفتر فعل، وليسعط بالمرطبات من الأدهان والعصارات، وليرطّب رأسه بما قد عرفته من المرطبات، ويجب أن يبيتوا على بزر قطونا، ودهن الورد. ومما ينفعهم أن يسقوا الترنجبين، وخصوصاً الأطفال، وإن لم يمكن فالمرضعات.
وصاحب التشنج الرطب إن كان ضعيف القوة لم يقطع عنه اللحوم، ولكن يجب أن يجعل لحمه من اللحوم اليابسة، مثل لحوم العصافير والقباج والقنابر والطياهيج، وإن لم تكن القوة ضعيفة جعل غذاؤه الخبز بالعسل وماء الحمص بالشبث وبالخردل، وأيضاً المري بالزيت، وليجعل فيما يتناوله الفلفل.
وأما غذاء أصحاب التشنّج اليابس فكل ما يرطب ويلين، وجميع الأحساء الدسمة اللينة المتخذة من ماء الشعير، ودهن الوز والسكر الفائق، وماء اللحم المتخذ من لحوم الخرفان والجديان وقد جعل فيه من البقول المرطّبة ما يكسر أذى اللحم إن كان هناك حرارة، وإن مزج الشراب القليل بذلك لينفذه، لم يكن بعيداً من الصواب، خصوصاً إذا لم تكن حرارة مفرطة، وكذلك إن مزج الشراب بما يسقونه من الماء جاز.
وأما العلاج فإن الرطب يجب أن يعالج بالاستفراغات والتنقيات القوية المذكورة عند ذكرنا استفراغ الخلط الغليظ من العصب بالمسهّلات والحقن الحادة، وإن رأيت علامات غلبة الدم واضحة جداً فافصد أولاً، وخصوصاً إن كان سبب الامتلاء شرب الشراب الكثير، ولا تخرج جميع ما يحتاج إليه من الدم، كان إخراجه بسبب التشنج، أو بسبب علة أخرى يقتضي إخراجه، بل آبق منه شيئاً ليقاوم التشنّج ويتحلل بتحليل حركات التشنج.
ومن علاجاته الانغماس في مياه الحمّامات، والجلوس في زيت الثعالب والضباع الذي نذكره في باب أوجاع المفاصل، فإنه نافع. وكذلك التمريخ بشحم الضباع، وبدهن السوسن، إن لم يكن حمى. وكذلك طبيخ جراء الكلاب، والجلوس في مياه طبخ فيها العقاقير الملطّفة، مثل القيصوم وورق السعد، وقصب الفريرة، وورق الغار، واللطوخ المتخذة من أصل الشوكة اليهودية، وبزر الشوكة البيضاء، وبزر الشوكة المصرية، وعصارة القنطوريون الدقيق مفردة ومركبة.
واعلم، أن طول مدة المقام في الآبزن، زيتاً كان أو غيره مما يضره بسبب إرخاء القوة، فيجعل كثرة العدد بدل طول المدة، فأجلسه في اليوم مرتين، ومما ينفع من به التشنج العامي المسمى طاطالس والتمدد الكائنين عن مادة، أن ينضغط دفعة في الماء البارد على ما ذكره بقراط، فإن الظاهر من البدن يتكاثف به، وينحصر الحار الغريزي في الباطن، ويقوي ويحلل المادة، وليس كل بدن يحتمل هذا سالماً عن الخطر، بل البدن القوي الشباب، اللحيم، الذي لا قروح به، وفي الصيف.
وقد عوفي بهذا قوم واستعمل المحاجم على المواضع التي يمتد إليها آخر الوتر بلا شرط، إن كان الأمر خفيفاً، وإن لم يكن كذلك احتجت إلى شرط، فإنك إن لم تشرط حينئذ، ربما أضررت بجذب المادة ومواضع المحاجم في الرقبة، وفقار الظهر من الجانبين، والأجزاء العضلية من الصدر. وأما قدام المثانة وعلى موضع الكلية، فإنما نفعل به ذلك عند خوفنا وإشفاقنا أن يكون خروج دم، وينبغي أن لا تستعمل المحاجم كثيرة ولا دفعة معاً، وتراعي موضع المحاجم فتحفظ أن لا يبرد فيبرد البدن. ومن علاجه أيضاً أن يسوى ما تشنج بالرفق.
ومن علاجه الواقع بالطبع عروض الحمّى الحادة، ولذلك قال بقراط: لأن تعرض الحمى بعد التشنج، خير من أن يعرض التشنّج بعد الحمّى والربع تنفع في ذلك لزعزعة نافضها ولكثرة تعريقها. ومن يعتريه الربع فقلما يعتريه التشنج، فإنه أمان منه.
ومن المعالجات العجيبة المجرّبة للتشنّج أن يلصق على العضو المتشنج الألية، وتترك عليه حتى تنتن، ثم تبدل بغيرها. والتشنج الذي يعم البدن قد ينفع فيه فصد الدماغ أيضاً بالتنقية بالعطوسات منفعة عظيمة. وقد جرب عليهم أن يقلدوا قلادة من صوف كثير رخو، ويرشّ عليها كل وقت دهن حار.
والحمّام اليابس ينفعهم منفعة عظيمة، وأن يكبّوا على حجارة محماة يرش عليها الشراب، وأن يعرقوا أيضاً بالتزميل. ومن أضمدتهم الجيدة مرهم يتّخذ من الميعة السائلة، والفربيون والجندبيدستر، والشمع الأصفر، ودهن السوسن، ومراهم ذكرت في القراباذين، والشحوم وغيرها، والتمريخ بعكر دهن السمسم، ودهن بزر الكتان، ولعاب الحلبة. ومن كماداتهم الجيدة المخ المسخن على مخارج العصب، ومما يسقونه مما يجلب الحمّى جندبادستر وحلتيت معجونين بعسل قدر جوزة، فإنه يجلب الحمّى ويحلّل التشنج على المكان، وكذلك دهن الخروع وماء العسل بالحلتيت، وطبيخ حب البلسان. ومما ينفعهم جداً سقي الترياق والمعاجين الكبار، وقد ينتفع بتناول المدرات، وقد جرب هذا الدواء، وهو أن يسقى من أصل الفطر عشرون درهماً يطبخ برطلين من ماء حتى يبقى الثلث، ويشرب منه أربعة أواق فاتراً بدرهمين دهن اللوز، وذلك نافع خصوصاً للتشنج إلى خلف. وقد يطبخ بدل أصل الفطر حبّ البلسان عشرة دراهم، والشربة ثلاث أواق، وكذلك الفوتنج البرّي.
ومما هو شديد النفع سقي الجاوشير، يسقى منه القوي مثقالاً واحداً، والوسط درهماً واحداً والضعيف ما يلي ربع درهم، وليراع حينئذ المعدة، فإنها تضعف به شديداً، والحلتيت أيضاً قدر حبة كرسنة في قدر أربع أواق ونصف عسل، وكذلك الأشق، وقد يسقى ذلك كله، وطبيخ الزوفا وطبيخ الانجدان. وأما الجندبادستر، فهو أكثر نفعاً وأقل ضرراً ويشرب به منه قدر ملعقتين إلى ثلاث يسقى في مرار كثيرة يكون مبلغ المشروب منها القدر المذكور، وأقلّ ما يضر فيه أن يكون بعد الطعام كيف كان، فلا خطر فيه.
ومن معالجاته أن يمرخ بالأدهان القوية التحليل المذكورة، كدهن قثاء الحمار، ودهن الخروع، ودهن السذاب، ودهن القسط مع جندبادستر، وعاقر قرحا، فإنه نافع جداً، والألية المذابة، ودهن النرجس، ودهن هذه صفته: وهو أن يؤخذ من دهن الناردين قسط واحد، ومن دهن الحضض قسط، ومن الشمع أوقيتان، ومن الجعدة والحماما والميعة والمصطكي من كل واحد أوقية، ومن الفلفل والفربيون من كل واحد أربعة مثاقيل، ومن السنبل أوقية، ومن دهن البلسان أوقية، ويجمع، ومما ينفع أن يستعمل عليها ضماد الفربيون، فإنه نافع جداً.
وأما العارض من التشنج للمرضعات، فيكفيهن أن يضمد مفاصلهن بعسل عجن به زعفران، وأصل السوسن، وأنيسون، على أن يكون أصل السوسن أكثرها، ثم الأنيسون، ويكون من الزعفران شيء يسير، ويدام وضع أعضائهن في مياه طبخ فيها بابونج، وإكليل الملك، وحلبة، وربما نفع دهن البابونج وحده. والشراب القليل نافع لأصحاب التشنج الرطب يحلله كما يحلل الحمى، وأما الكثير فهو أضر أسبابه ويجب أن يسقى القليل العتيق وعلى غذاء قليل.
واعلم أن التشنج إذا كان عاماً للبدن دون أعضاء الوجه، فإن الأطباء يفصدون بالأضمدة والمروخات فقار العنق، وإن كان في أعضاء الوجه أيضاً فصدوا الدماغ مع ذلك، وإذا كان التشنج من مشاركة المعدة ورأيت العلامة المذكورة، فبادر إلى تنقية ذلك الإنسان، فإنه ربما قاء مرة واحدة حادة أو خلطاً عفناً، ويبرأ في الوقت.

● [ يتم متابعة الفن الثاني : أمراض العصب ] ●


القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الثالث : الأمراض الجزئية
منتدى حُكماء رُحماء الطبى . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 28 مارس 2017 - 16:35