المقدمة والجملة الأولى : القوانين الطبيعية

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2824
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

المقدمة والجملة الأولى : القوانين الطبيعية

مُساهمة من طرف الإدارة في الخميس 15 ديسمبر 2016 - 9:47


بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الثانى : الأدوية المفردة
المقدمة والجملة الأولى : القوانين الطبيعية

● [ مقدمة الكتاب ] ●

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على أنبيائه،
هذا الكتاب هو ثاني الكتب التي صنفناها في الطب التي، الأول منها هو في الأحكام الكليّة من الطب، والثاني منها هو هذا الكتاب المجموع في الأدوية المفردة.
وقسمنا هذا الكتاب جملتين:
الأولى منهما: في القوانين الطبيعية التي يجب أن تعرف من أمر الأدوية المستعملة في علم الطب
.والثانية منهما: في معرفة قوى الأدوية الجزئية.
أما الجملة الأولى فقسمناها إلى ستة مقالات:
المقالة الأولى: في تعريف أمزجة الأدوية المفردة.
المقالة الثانية: في تعرف أمزجة الأدوية المفردة بالتجربة.
المقالة الثالثة: في تعرف أمزجة الأدوية المفردة بالقياس.
المقالة الرابعة: في تعرف أفعال قوى الأدويهَ المفردة.
المقالة الخامسة: في أحكام تعرض للأدوية من خارج.
المقالة السادسة: في التقاط الأدوية وادخارها.
وأما الجملة الثانية فقسمناها إلى عدة ألواح وإلى قاعدة
فاللوح الأول من هذه الجملة، لوح الأفعال والخواص.
والثاني: في الزينة.
والثالث: في الأورام والبثور.
والرابع: في الجراحة والقروح.
والخامس: في آلات المفاصل.
والسادس: في أعضاء الرأس.
والسابع: في أعضاء العين.
والثامن: في أعضاء النفس والصدر.
والتاسع: في أعضاء الغذاء.
والعاشر: في أعضاء النفض.
والحادي عشر: في الحميّات.
والثاني عشر: في السموم.
وأما القاعدة فقسمناها قسمين
القسم الأول : في المقدمة أني قد جعلت للأدوية المفردد فيها ألواحاً، وجعلت لكل واحد منها، كتابة بصبغ حتى يسهل التقاطه.
والقسم الثاني : يشتمل على ثمانية وعشرين فصلاً.



بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الثانى : الأدوية المفردة
الجملة الأولى : القوانين الطبيعية

● [ المقالة الأولى ] ●
أمزجة الأدوية المفردة

قد بينا في الكتاب الأول معنى قولنا: هذا الدواء حار، وهذا الدواء بارد، وهذا الدواء رطب، وهذا الدواء يابس، وبيّنا أن ذلك بالقياس إلى أبداننا. وصادرنا على أن جميع المركبات المعدنية والنباتية والحيوانية، أركانها هي العناصر الأربعة ، وإنما تمتزج فيفعل بعضها في بعض حتى تستقر على تعادل، أو على تغالب فيما بينها، وإذا استقرت على شيء، فذلك هو المزاج الحقيقي. وأن المزاج إذا حصل في المركّب هيأه لقبول القوى والكيفيات التي من شأنها أن تكون له بعد المزاج، وبينا أن المزاج بالجملة على كم قسم هو، وأن المزاج المعتدل في الناس ماذا يراد به، وأن المزاج المعتدل في الأدوية ماذا يراد به، وبينا أنه إنما يراد به أن البدن الإنساني إذا لاقاه، وفعل فيه بحرارته الغريزية، لم يبعد هو أن يؤثر في بدن الإنسان تبريداً، أو تسخيناً، أو ترطيباً، أو تيبيساً فوق الذي في الإنسان، لسنا نعني به أن مزاجه مثل مزاج الإنسان، فإن مزاج الإنسان لا يكون إلا للإنسان.
واعلم أن المزاج على نوعين:
مزاج أوّل : هو أول مزاج يحدث عن العناصر. والمزاج الثاني هو المزاج الذي يحدث عن أشياء لها في أنفسها مزاج: كمثل مزاج الأدوية المركبة، ومزاج الترياق، فإن لكل دواء مفرد من أدوية الترياق مزاجاً يخصه، ثم إذا اختلطت وتركبت حتى تتحد ويحصل لها مزاج، حصل مزاج ثان،
وهذا المزاج الثاني، ليس إنما يكون كله عن الصناعة، بل قد يكون عن الطبيعة أيضاً، فإن اللبنَ يمتزج بالحقيقة عن مائية وجبنية وسمنية، وكل واحد من هذه الثلاثة غير بسيط في الطبع، بل هو أيضاً ممتزج وله مزاج يخصه. وهذا المزاج الثاني هو من فعل الطبيعة لا من فعل الصناعة.
والمزاج الثاني قد يكون على وجهين: إما مزاج قوي، واما مزاج رخو.
والمزاج القوي: مثل أن يكون كل واحد من البسيطين اتحد بالآخر اتحاداً يعسر تفريقه على حرارتنا الغريزية، بل قد يكون منه ما يعسر تفريقه على حرارة النار، مثل جرم الذهب فإن المزاج من رطبه ويابسه قد بلغ بلغاً تعجز النارية عن التفريق بينهما، وإذا سيّلت النارية المائية لتصعدها، تشبث بجميع أجزائها أجزاء الأرضية، فلم تقدر على تصعيدها وإرساب الأرضية، كما تقدم على مثله في الخشب، بل في الرصاص، والآنك . فإذا كان من المزاج ما استحكامه هذا الاستحكام، فلا يبعد أن يكون من المزاج ما تعجز الحرارة الغريزية التي فينا عن تفريق بسائطه، وما كان هكذا فهو المزاج الموثق، فإن كان معتدلاً بقي في جميع البدن إلى أن يحيل صورته ويعيده معتدلاً، وما كان مائلاً إلى غلبة بقي في البدن على غَلَبَتِهِ إلى أن تفسد صورته. وبالجملة إنما يصدر عنه فعل واحد.
وأما إذا لم يكن المزاج موثقاً بل رخواً سلساً إلى الإنفصال، فقد يجوز أن تفترق بسائطه عند فعل طبيعتنا فيه ويتزايل بعضها عن بعض وتكون مختلفة القوى، فيفعل بعضها فعلاً، ويفعل الآخر ضده، فإذا قال الأطباء إن دواء كذا قوته مركَبة من قوى متضادة، فلا يجب أن يفهموا هم أنفسهم وأنت عنهم ، أن جزءاً واحداً يحمل حرارة وبرودة، بفعل كل واحد منهما بانفراده كالمتميزين، فإن ذلك لا يمكن، بل هما في جزأين منه مختلفين هو مركب منهما. وأيضاً لا يجب أن نظن أن غير ذلك الجنس من الأدوية ليس مركباً من قوى متضادة، فإذا جميع الأدوية مركّبة من قوى متضادة، بل يجب أن تفهم من ذلك أنهم يعنون أنه بالفعل ذو قوى متضادة، أو بقوة قريبة من الفعل لأن فيه أجزاء مختلفة لم يفعل بعضها في بعض فعلاً تام يجعل الكل متشابه القوة تشابهاً تاماً، ولا تلازمت واتحدت حتى إذا حصل بعضها في جزء عضو لزم أن يحصل الآخر معه، لأنه إن كانت متشابهة القوّة لم يختلف فعلها في البدن البتّة، وإن كانت متلازمة الأجزاء ومختلفة القوى، جاز أن لا يختلف أيضاً تأثيرها في البدن، بل كان إذا حصل جزء من بسيط في عضو وافقه ما يلازمه من البسيط الآخر، فحصل منهما الفعل والأثر الذي يؤدي إليه فعلاهما في جميع أجزاء ذلك العضو على السواء، إذ كل واحد من أجزائه معه عائق عن تمام فعله متمكن منه، اللهم إلا أن يكون جزء وعضو قابلاً عن أحد البسطين دون الآخر.
والطبيعة تستعمل أحدهما وترفض الآخر، فقد يكون هذا كثيراً وليس كلامنا في هذا، بل هو في الصنف الذي هو مختلف التأثير لأمر في نفسه، لا لأمر في غيره، وذلك الأمر هو أن بسائطه امتزاجها واهٍ بحيث يقبل التمييز بتأثّر حرارتها، فالأدوية المفردة التي نذكر أن لها قوى متضادة من هذه التي ليس فيها ذلك الامتزاج الكلي. فمن هذه ما هو أقوى امتزاجاً، فلا يقدر الطبخ والغسل على التفريق بين قواها، مثل البابونج الذي فيه قوة محللة وقوة قابضة، وإذا طبخ في الضمادات لم تفارقه القوتان. ومنها ما يقدر الطبخ على التفريق بينهما، مثل الكرنب، فإن جوهره ممتزج من مادة أرضية قابضة، ومن مادة لطيفة جلآءة بورقية ، فإذا طبخ في الماء تحلل الجوهر البورقي الجالي منه في الماء، وبقي الجوهر الأرضي القابض، فصار ماؤه مسهلاً وجرمه قابضاً.
وكذلك العدس، وكذلك الدجاج، وكذلك الثوم، فإن فيه قوة جلاءة محرقة ورطوبة ثقيلة، والطبخ يفرق بينهما. وكذلك البصل، والفجل، وغير ذلك، ولذلك قيل: إن الفجل يهضم ولا ينهضم لا بجميع أجزائه، بل بالجوهر اللطيف الأرق الذي فيه، فإذا تحلل ذلك عنه، بقي الجوهر الكثيف الذي فيه عاصياً على القوة الهاضمة لزجاً، وذلك الجوهر الآخر يقطع اللزوجة.
ومن هذا الباب، ما يقدر الغسل على التفريق بين بسائطه، مثل الهندبا وكثير من البقول، فإن جوهرها مركب من مادة أرضية مائية باردة كثيرة، ومن مادة لطيفة قليلة، فيكون تبريدها بالمادة الأولى، وتفتيحها للسدد وتنفيذها أكثر بالمادة الآخرى، ويكون جل هذه المادة اللطيفة منبسطة على سطحها وقد تصعَدت إليه وانفرشت عليه، فإذا غسلت تحللت في الماء ولم يبق منها شيء يعتد به. فلهذا نهى عن غسلها شرعاً وطباً، وبهذا السبب كثير من الأدوية إذا تناولها الإنسان، برد تبرداً شديداً، فإذا ضمًد بها حللت مثلاً كالكزبرة، فإنها إذا تناولت اشتد تبريدها فإذا ضمَد بها، فربما حلَلت مثل الخنازير، وخصوصاً مخلوطة بالسويق، وذلك لأنها مركَبة من جوهر أرضي مائي شديد التبريد، ومن جوهر لطيف محلل فإذا تنوولت أقبلت الحرارة الغريزية فحللت عنها الجوهر اللطيف، ولم تكن كثيرة المقدار فتؤثر في المزاج أثراً، بل بعدت ونفذت، وبقي الجوهر المبرد منه غاية في التبريد.
وأما إذا ضمد بها فيشبه أن يكون الجوهر الأرضي لا ينفذ في المسام ولا يفعل فيها أثراً البتة. والجوهر اللطيف الناري ينفذ فيها وينضج، فإن استصحبت شيئاً من الجوهر البارد، نفع في الردع وقهر الحرارة الغريزية. وهذا قريب مما بينّاه في الكتاب الأول من إحراق البصل ضمَاداً والسلامة عنه مطعوماً، إذا جعلنا إحدى العلل فيه قريبة من هذا، فيجب أن يكون المعنى محكماً معلوماً.
ومن الأدوية ما يشبه أن يكون فيه جوهران مختلفإن في الطبع من غير امتزاج البتّة، فمن ذلك ما هو ظاهر للحس كأجزاء الأترج، ومنه ما هو أخفى، فإن بزر قطونا يشبه أن يكون قشره وما على قشره قوي التبريد. والدقيق الذي فيه قوي التسخين حتى يكاد أن يكون دواء محمراً أو مقرّحاً، وقشره كالحجاب الحاجز بينهما، فإن شرب غير مدقوق لم تمكن صلابة جلده من أن تنفذ قوة دقيقة وباطنة إلى خارج، بل فعل بظاهره ولعابيته، وان دق فعسى أن الذي يقال من أنه سم، هو بسبب ظهور دقيقه وحشوه، فيشبه أن يكون تفجير المدقوق منه للجراحات، وتفحّج الصحيح منه إياها، وردعه لها بهذا السبب، وهذا المقدار كاف في إعطائنا هذا الأصل.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ المقالة الثانية ] ●
قوى أمزجة الأدوية بالتجربة

الأدوية تتعرّف قواها من طريقين: أحدهما: طريق القياس، والآخر: طريق التجربة. ولنقدم الكلام في التجربة فنقول: إن التجربة إنما تهدي إلى معرفة قوة الدواء بالثقة بعد مراعاة شرائط: إحداها: أن يكون الدواء خالياً عن كيفية مكتسبةِ، إما حرارة عارضة، أو برودة عارضة، أو كيفية عرضت لها باستحالة في جوهرها، أو مقارنة لغيرها، فإن الماء وان كان بارداً بالطبع فإذا سُخن سَخَّن ما دام سَخِيناً، والفربيون وأن كان حاراً بالطبع فإنه إذا بَرَدَ برَدَ ما دام بارداً، واللوز وأن كان إلى الاعتدال لطيفاً فإذا زنخ سخن بقوة، ولحم السمك وإن كان بارداً فإذا ملحَ سخن بقوة .
والثاني : أن يكون المجرب عليه علَة مفردة، فإنها إن كانت علة مركبة وفيها أمران يقتضيان علاجين متضادين، فجرب عليهما الدواء، فنفع لم يدر السبب في ذلك بالحقيقة مثاله، إذا كان بالإنسان حمى بلغمية فسقيناه الغاريقون، فزالت حماه، لم يجب أن يحكم أن الغاريقون بارد لأنه نفع من علة حارة وهي الحمى، بل عسى إنما نفع لتحليله المادة البلغمية أو استفراغه إياه، فلما نفدت المادة، زالت الحمى، وهذا بالحقيقة نفع بالذات، مخلوط بالعرض .
أما بالذات، فبالقياس إلى المادق، وأما بالعرض، فبالقياس إلى الحمى.
والثالث : أن يكون الدواء قد جرب على المضادة حتى إن كان ينفع منهما جميعاً، لم يحكم أنه مضاد المزاج لمزاج أحدهما، وربما كان نفعه من أحدهما بالذات، ومن الآخر بالعرض، كالسقمونيا لو جزبناه على مرض بارد لم يبعد أن ينفع، ويسخن، وإذا جربناه على مرض حار، كحمى الغب لم يبعد أن ينفع باستفراغ الصفراء، فإذا كان كذلك لم تفدنا التجربة ثقة بحرارته أو برودته، إلا بعد أن يعلم أنه فعل أحد الأمرين بالذات، وفعل الآخر بالعرض.
والرابع : أن تكون القوة في الدواء مقابلاً بها ما يساويها من قوة العلّة، فإن بعض الأدوية تقصر حرارتها عن برودة علة ما فلا يؤثر فيها البتة، وربما كانت عند استعمالها في برودة أخفّ منها فعالة للتسخين، فيجب أن يجرب أولاً على الأضعف ويتدرج يسيرا يسيراً حتى تعلم قوة الدواء ولا يشكل.
والخامس : أن يراعى الزمان الذي يظهر فيه أثره وفعله، فإن كان مع أول استعماله، أقنع أنه يفعل ذلك بالذات، وإن كان أول ما يظهر منه فعل مضاد لما يظهر أخيراً أو يكون في أول الأمر لا يظهر منه فعل، ثم في اًخر الأمر يظهر منه فعل، فهو موضع اشتباه وإشكال عسى اْن يكون قد فعل ما فعل بالعرض، كأنه فعل أولاً فعلاً خفياً تبعه بالعرض هذا الفعل الأخير الظاهر. وهذا الإشكال والاشتباه في قوة الدواء.
والحدس أن فِعْلَهُ إنما كان بالعرض، قد يقوَى إذا كان الفعل إنما ظهر منه بعد مفارقته ملاقاة العضو، فإنه لو كان يفعل بذاته لفعل، وهو ملاق للعضو، ولاستحال أن يقصر وهو ملاق، ويفعل وهو مفارق، وهذا هو حكم أكثري مقنع. وربما اتفق أن يكون بعض الأجسام يفعل فعله الذي بالذات بعد فعله الذي بالعرض، وذلك إذا كان اكتسب قوة غريبة تغلب الطبيعية، مثل الماء الحار، فإنه في الحال يسخن. وأما من اليوم الثاني، أو الوقت الثاني الذي يزول فيه تأثيره العرضي، فإنه يحدث في البدن برداً لا محالة لاستحالة الأجزاء المستعقبة منه إلىالحالة الطبيعية من البرد الذي فيه.
والسادس : أن يراعى استمرار فعله على الدوام أو على الأكثر، فإن لم يكن كذلك، فصدور الفعل عنه بالعرض. لأن الأمور الطبيعية تصدر عن مباديها، إما دائمة، وإما على الأكثر.
والسابع : أن تكون التجربة على بدن الإنسان، فإنه إن جرب على غير بدن الإنسان، جاز أن يتخلّف من وجهين: أحدهما: أنه قد يجوز أن يكون الدواء بالقياس إلى بدن الإنسان حاراً، وبالقياس إلى بدن الأسد والفرس بارداً، إذا كان الدواء أسخن من الإنسان، وأبرد من الأسد والفرس، ويشبه فيما أظن أن يكون الراوند شديد البرد بالقياس إلى الفرس، وهو بالقياس إلى الإنسان حار. والثاني أنه قد يجوز أن يكون له بالقياس إلى أحد البدنين خاصية ليست بالقياس إلى البدن الثاني، مثل البيش، فإن له بالقياس إلى بدن الإنسان خاصية السمية، وليست له بالقياس إلى بدن الزرازير. فهذه القوانين التي يجب أن تراعى في استخراج قوى الأدوية من طريق التجربة فاعلم ذلك.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ المقالة الثالثة ] ●
أمزجة الأدوية المفردة بالقياس

وأما تعرّف قوى الأدرية من طريق القياس، فالقوانين فيه بعضها مأخوذ من سرعة استحالتها إلى النار والتسخن، ومن بطء استحالتها، ومن سرعة جمودها، وبطء جمودها، وبعضها مأخوذ من الروائح، وبعضها مأخوذ من الطعوم، وقد تؤخذ من الألوان، وقد تؤخذ من أفعال وقوى معلومة، فيكتسب منها دلائل واضحة على قوى مجهولة.
وأما الطريق الأول، فإن الأشياء المتساوية في قوام الجوهر أعني في التخلخل والتكاثف أيها قَبِلَ السخونة أسرع، فهو أسخن، وأيها قَبِل البرودة أسرع، فهو أبرد. ومن أحد الأسباب في ذلك، أن الشيء قد يَسْخُنُ أسرع من الآخر، والفاعل واحد، لأنه في نفسه أسخن من الآخر، وإنما كان البرد العارض برَدَهُ، فلما وافاه الحار من خارج ووطاه القوة الحارة الطبيعية فيه، ساوى الآخر في السبب الخارج، وفضل عليه بالقوة التي فيه، فْصار أسخن. وعلى هذا فاعرف حال الذي يبرد أسرع، وبعد ذلك ففي- تعليله كلام طويل يتولاه المتكلم في أصول الطبيعيات غير الطبيب.
وأما إذا كان أحدهما أشد تخلخلاً، والآخر أشدّ تكاثفاً، فإن الذي هو أشد تخلخلاً وإن كان في مثل برد الآخر وحره فإنه ينفعل أسرع لضعف جرمه، وأما الأشياء التي من شأنها أن تجمد، والأشياء التي من شأنها أن تشتعل ناراً، فيجوز أن يتقايس بعضها ببعض. وما كان أسرع جموداً وقوامه كقوام الآخر، فهو أبرد، وما كان أسرع اشتعالاً وقوامه كقوام الآخر، فهو أسخن لمثل ما قلنا، ولأنا إنما نقول للشيء إنه أبرد وأسخن بالقياس إلى تأثير الحرارة الغريزية التي فينا فيه، فإذا كان هذا أبعد من الجمود وأسرع إلى الاشتعال، قضينا أنه في التأثر عن حرارتنا الغريزية بتلك الصفة، وهذه الأصول يُبرهن عليها كما ينبغي في العلم الطبيعي. وأما إذا اختلف شيئان في التخلخل والتكاثف، ثم وجد المتكاثف منهما أشد اشتعالاً وأبطأ جموداً، فاحكم أنه لا محالة أسخن جوهراً. وكذلك إن وجدت المتخلخل منها أسرع اشتعالاً، فليس لك أن تجزم القضية فتجعله بهذا السبب أشد حرَّا، فربما كان التخلخل هو السبب في سرعة اشتعاله، كما أنك إن وجدت المتخلخل منهما أسرع جموداً، فليس لك أن تجزم القضية، فتجعله بهذا السبب أشد برداً، فربما كان التخلخل هو السبب في سرعة جموده لضعف جرمه وسرعة انفعاله، مثل الخمر، فإنه وان كان أسخن من دهن القرع، فإنه يجمد أسرع من جمود ذلك الدهن، بل ذلك الدهن قد يخثر ولا يجمد. والشراب يجمد، فإن من الأشياء ما يجمد من غير خثورة، ومن الأشياء ما يخثر من غير جمود. ومعرفة هذا في العلم الطبيعي
وأما الأشياء القابلة للخثورة إذا تساوت في قوام الجوهر، فأقبلها للخثورة من البرد هو أبردها، وكثير من الأشياء إنما تجمد في الحر، والأشياء التي من شأنها أن تجمد بالحر كلها تنحل بالبرد، كما أن الأشياء التي تجمد بالبرد كلها تنحل بالحر، والحر يجمد بالتخفيف، والبرد ينحلّ بالترطيب على رأي جالينوس. ورأي الفيلسوف الأول قد يخالفه في شيء يسير واستقصاء ذلك في علم آخر. وإذا كانت الأدوية بعضها أسخن لكنه أغلظ، أمكن أن يكون قبوله للجمود كقبول الذي هو أبرد منه لغلظه، وإذا كان بعضها أبرد، لكنه أرقّ أمكن أن يكون قبوله للاشتغال مثل قبول الذي هو أسخن منه لرقّته. والخثورة والانعقاد لا تدل على زيادة في الحرارة، ولا زيادة في البرودة، فإنها قى تخثر الأشياء الأرضية التي فيها، وأشياء لكثرة المائية والهوائية فيها إذا تخلخلا، وكثيراً ما يعرض للهوائية أن تبرد فتستحيل مائية، ويتخلخل المركّب ويكون بارداً، وكثيراً ما تخلخل المائية الباردة لنارية تغلي فيها وتحيلها هوائية وتخثّرها، كما يعرض للمني من الخثورة. فإذا انفصل عنه البخار الناري رق، ولا تمنع الأرضية أن يكون معها نارية مفرطة، فيجوز أن يكون القسم الأول شديد الحرارة، ولا يمنع المائية أن يداخلها هوائية لا تقهر قوتها، فيكون القسم الثاني شديد البرودة، أو نارية تقهره، فيكون شديد الحرارة.
هذا وأما القوانين الآخرى، فيجب أن يعلم الأطباء منها شيئاً واحداً أنه لا يمكن أن يكون الطعوم الحلوة والمرة والحريفة، إلا بجوهر حار، ولا القابضة والحامضة والعفصة، إلا بجوهر بارد. وكذلك الروائح الذكية الحادة لا تكون إلا بجوهر حار، والألوان البيض في الأجسام المنعقدة التي فيها رطوبة لا تكون إلا بجوهر بارد، وفي الأجسام التي فيها يبوسة وانفراك لا تكون إلا بجوهر حار، والأسود في الأمرين بالضد، فإن البرد يبيض الرطب ويسوِّد اليابس والحر يسود الرطب ويبض اليابس وأن هذا حقّ واجب.
ولكن ههنا سبب اخر لأجل ذلك قد تختلف هذه الاستدلالات، وخصوصا في الرائحة واللون، وذلك أنا قد بينا أن الأجسام الدوائية قد تمتزج من عناصر متضادة تارة امتزاجاً أولياً، وتارة امتزاجاً ليس أولياً، بل الأحرى أن يسقى مزاجاً ثانياً، فيجوز في هذا الامتزاج الثاني أن يكون أحد العنصرين قد حصل له مزاج استحقّ به لوناً، أو رائحة، أو طعماً، وحصل له ذلك الذي استحقّه. وكما أن العنصر الآخر قد حصل له مزاج مضاد مخالف لذلك المزاج، يجوز أن يكون يستحق به لوناً مضاداً لذلك اللون أو رائحة أو طعماً مضادين للأول، ويجوز أن لا يستحقّ به ذلك، فإن هذا غير مضبوط وغير معلوم لها الحدود التي منها يستحقّ المزاج الألوان والروائح والطعوم، بل إن قال الإنسان في هذا شيئاً، فإنما يقوله على التخمين، فإن كان قد استحقّ لوناً مقابلاً له، ثم كانا متساويي الكمية حصل في الممتزج الثاني لون مركّب من اللونين. وأن كانا مختلفين حصل في الممتزج الثاني لون أميل إلى اْحد اللونين، فإن لم يستحقّ الثاني لوناً البتة، وكذلك رائحة أو طعماً وكانا متساويين، كان الموجود فيهما هو اللون الأول والرائحة الأولى. وإن كانا قد انكسر المخالطة أجزاء عادمة اللون ولأجزاء متضادة، ولم يكن للون الثاني أثر، فإن هذا أيضاً يكسر كسر الشفاف المخالط للملوّن، وكان ذلك الجسم يرى مثلاً أبيض. ويجوز أن تكون قوّته ليست قوة الأبيض بما هو أبيض، بل هي قوة أخرى مقابلة للأولى، فإنه إذا كان الجرم المخالط العديم اللون، كما اْنه مساوٍ في الكمية مساوٍ في القوّة، كانت القوّة الحاصلة قوّة بين القوتين معتدلة. وإن كان أقوى كثيراً من المتلوّن، كان التأْثير للقوة المضادة لقوة الجرم المصاحب للبياض وكان البياض، مثلاً يوجب أن يكون هو بارداً وهو حار بمرّة. هذا إذا كان متساويي الكمية، وأما إذا كان مثلاً هذا الذي لا لون له أو له لون مضاد قليل الكمية بالقياس إلى الآخر، كثير الكيفية والقوة، لم يؤثر البتّة أثراً في لون ذلك الآخر، وقهره بالقوة قهراً شديداً حتى كان كأنه ليس له قوة وجودة البتّة.
تأمل الحال في رطل من اللبن، لو خلطته بمثقالين من الفربيون خلطا كشيء واحد أليس كان المجتمع منهما مسخناً في الغاية، والحس لا يدرك الفربيون منهما، لا لونه ولا عدمه اللون لو كان عادماً للون، إنما يرى بياضاً صرفاً، فيكون قد صدقنا أن هذا البياض هو بجوهر بارد، مثلاً إن فرضنا اللبن بارداً، وكذبنا إن قلنا إن هذا الجوهر المشروب بارد، وذلك لأن هذا البياض ليس هو لوناً لهذا المشروب المجتمع من جهة ما هو مشروب مجتمع، بل هو لون لأحد بسيطيه الغالب بالمقدار المغلوب بالقوة الذي هو محسوس منهما، فهكذا يجب أن يتصورالحال في الأبيض الطبيعي الامتزاج الذي هو في غاية الحر، ونتوقعه أن يكون بارداً مثل الفلفل الأبيض، فإنه كما أن هذا هو الذي يمتزج بالصناعة، فكذلك قد يمتزج بالطبيعة، فتكون الصورة هي هذه الصورة، إلا أن من هذد الكيفيات المحسوسة ما الأولى أن يكون ما يخالطها من الضد يؤثر فيها أثراً بيناً، وأنها ما دامت كيفياتها صادقة محسوسة لا تحس أضدادها فيها فهي غالبة للقوى. وهذا هو في الطعوم لا على أنه واجب بل على أنه أكثري، وبعد الطعوم في الروائح وبعدهما في الألوان، وهو في الألوان كغير الموثوق به.
ومن الأسباب التي فاقت فيها الطعوم الروائح في هذا الباب، وصولها إلى الحس بملاقاة، فهي أولى ما يوصل من جميع أجزاء الدواء قوة. والروائح والألوان تؤثر بلا ملاقاة من أجزائها، فيجوز أن يصل إلى الحس من أجزاء في الرائحة بخار من لطيف أجزائه، ويستعصي البخار من كثيف أجزائه، فلا يتبخر. ويجوز أن يصل إليه لون الظاهر الغالب دون المغلوب الخفي، ولأن الروائح قد تدل على الطعوم مثل الرائحة الحلوة والحامضة والحريفة والمرة، كانت الروائح تالية للطعوم. فالطعوم أكثر صِحَّةِ دلالة، ثم الروائح، ثم الألوان، ثم لو كانت الطعوم أيضاً لا يقع فيها هذا التركيب المذكور، لما كان الأفيون في مرارته مع برده المفرط. وهذا الغلط الذي يقع في الطعوم، يقع في جانب البرد أكثر منه في جانب الحر، أعني أن يكون الدواء له طعم يدل على الحرارة وهو بارد، فإن هذا أكثر من أن يكون الدواء له طعم يدلُ على البرد وهو حار، لأن الحار في أكثر الأحوال أقوى اًثاراً وأظهر أفعالاً وأفذ، فلو كان قد خالط البارد في المزاج الطبيعي حار. تبلغ قوّته مبلغاً يكسر برد ما يقابله، لقد كان بالحري أن يظهر له طعم يكسر طعمه، إذالحار في جميع الأحوال أنفذ وأبلغ وأغلب وأولى بأن يَجْمُلَ الطعومٍ والروائح. ولهذا السبب كأنك لا تجد حامضاً أو عفصاً لا مزاج فيه في الحس ويكون حاراً بأغلب مزاجه كما تجد مرًّا ولذاعاً ويكون بارداً في أغلب مزاجه على أن هذا أيضاً أكثري، وأكثر أكثرية من الآخر، وليس بواجب. فإذا عرفت هذا القانون فيجب الآن أن نقتص عليك ما يقوله الأطباء في الطعوم والروائح والألوان، فإنهم يجعلون الطعوم البسيطة كلها تسعة، وهي وإن كان لا بدّ ثمانية طعوم، وواحد هو عدم الطعم، وهو التفه المسيخ الذي لا يكون له طعم ولا يدرك منه طعم البتّة، كالماء.
وإنهم يسمون بالطعم كل ما يحكم عليه بالذوق حكماً وهو بالفعل، أو حكماً وهو بالقوة ولم ينفعل البتة، وهو الذي لا طعم له، وهو على وجهين: إما تفه عادم للطعم بالحقيقة، وإما تفه عادم له عند الحس. والتفه في القيقة هو الذي لا طعم له بالحقيقة والتفه عند الحس هو الذي له في نفسه طعم، الا أنه لشد تكاثفه لا يتحلل منه شيء، يخالط اللسات فيدركه، ثم إذا احتيل في تحليل أجزائه وتلطيفها أحس طعمه، مثل النحاس والحديد، فإن اللسان لا يدرك منهما طعماً، لأنه لا يتحلّل من جرمهما شيء يصير إلى الرطوبة المبثوثة في أعلى اللسان التي هي واسطة في حس الذوق، ولو احتيل في تهيئته أجزاء صغار ظهر له طعم قوي، ومثل هذا أشياء كثيرة.
وأما الطعوم الثمانية التي يذكرونها التي هي بالحقيقة طعوم بعد التفه، فهي الحلاوة،
والمرارة، والحرافة، والملوحة، والحموضة، و العفوصة، و القبض، والدسومة. ويقولون: إن الجوهرالحامل للطعم إما أن يكون كثيفاً أرضياً، وإما أن يكون لطيفاً، وإما أن يكون معتدلاً. وقوته إما أن تكون حارة، وإما أن تكون باردة، وإما أن تكون متوسّطة. والكثيف الأرضي إن كان حاراً فهو مر، وإن كان بارداً فهو عفص، وإن كان معتدلاً فهو حلو. واللطيف إن كان حاراً فهو حريف، ران كان بارداً فهو حامض، وإن كان معتدلاً فهو دسم. والمتوسّط في الكثافة واللطف، إن كان حاراً فهو مالح، وإن كان بارداً فهو قابض، وان كان معتدلاً، فقد قالوا إنه تفه، وفي التفه كلام. والحريف أسخن، ثم المر، ثم المالح، لأن الريف أقوى على التحليل والتقطيع والجلاء من المر، ثم المالح كأنه مر مكسور برطوبة باردة يدل عليه ما ذكرناه من نحو تكونه، وكذلك إذا سخن المالح بشمس، أو نار أو بمفارقة المائية الكاسرة من قوة الحرارة صار مرًا، وكذلك البورق. والمحلل المر أسخن من الملح المأكول، والعفص هو الأبرد، ثم القابض، ثم الحامض، ولذلك تكون الفواكه التي تحلو تكون أولاً فيها عفوصة شديدة التبريد، فإذا جرت فيها هوائية ومائية حتى تعتدل قليلاً بالهوائية وبإسخان الشمس المنضج، مالت إلى الحموضة، مثل الحصرم، وفيما بين ذلك تكون إلى قبض يسير ليس بعفوصة، ثم تنتقل إلى الحلاوة إذا عملت فيها الحرارة المنضجة، وربما انتقل من العفوصة إلى الحلاوة من غير تحمض مثل الزيتون. لكن الحمض وإن كان أقل برداً من العفص فهو في الأكثر أكثر تبريداً منه للطافته ونفوذه. والعفص والقابض يتقاربان في الطعم، لكن القابض إنما يقبض ظاهر اللسان والعفص يقبض ويخشن الظاهر والباطن ومما يعنيه على تخشينة أنه لا ينقسم لكثافته إلى أجزاء صغار بسرعة ولا يلتحم بعضه ببعض بسرعة. و لهاتين حالتين تفترق مواقعه من اللسان افتراقاً محسوساً، فيختلف قبضه في أجزائه، فيختلف وضعها، فيخشن ويعين على ذلك اختلاف أجزاء العضو في مسامتته ومضاهاته. والعفص ألطف وأدخل. والحريف والمر يجردان اللسان جرداً. لكن المر إنما يجرد ظاهر اللسان، والحريف يغوص جرده وتفريقه، لأنه لطيف الجوهر غواص.
وأما المرّ فثقيل الجوهر يابسه، ولذلك لا يقبل الصرف منه عفونة يتولد منها فيه حيوان، ولا يغدو الصرف منه حيواناً. وليبوسة المر ما يجرد مع تخشين ما، ومما يقوي حرارة الحريف على حرارة المر، نفوذه فيقطع شديداً ويحلل شديداً حتى يأكل ويعفن ويبلغ أن يهلك. والحلو والدسم كلاهما يبسطان اللسان ويلينانه بتسييل ما أداه البرد وعقده من غير تحليل، ويزيلان خشونته، لكن الدسم يفعل ذلك من غير تسخين بين. والحلو يفعل مع تسخين، فلذلك ينضج الحلو أكثر.
قالت الأطباء: وإنما صار الحلو لذيذاً لأنه يجلو الغليظ جلاء يصلحه ويسيله ويلينه ويزيل أذى جموده من غير تقطيعه وتفريق اتصال وملاقاة بعنف، ولا يسنخن سخونة مؤذية، بل لذيذة مثل لذة الماء المعتدل الحر إذا صب على الخصر. وأما القول الفصل في هذا فعندهم من أعلى درجة، وليس يجب أن يكون ما هو أحلى أغذى، ولا ما هو ألذ أغذى، وإن كان لا بد من أن يكون في كل غاذ عند الأطباء حلاوة ما، لأن الغذاء يحتاج إلى شرائط أخرى غير الحلاوة. هذا والدسم مناسب لحلو، لكن الكثيف المستحيل إليهما بفعل الحرارة المناسبة يستحيل إلى الحلاوة، إذا كان عماد تلطفه بالمائية وقليل هوائية، ويستحيل إلى الدسومة إذا كان عماد تلطّفه بالمائية العذبة، ويخالطها هوائية كثيرة اشتدّت مداخلتها للمائية. والمر والمالح يَجردان اللسان جرداً، لكن المالج يجرد خفيفاً ويغسل، ولا يخشن ويعينه عليه تأدي ملاقاته للعضو إلى جميع أجزائه بالسوية للطافته، ولكنه يؤذي فم المعدة. والمر يجرد شديداً حتى يخشن، ويعينه عليه اختلاف مواضعه على ما قلنا. والحريف والحامض يلذعان اللسان، لكن الحريف يلذعه لذعاً شديداً مع تسخين، والحامض يلذعه لذعاً وسطاً بلا تسخين. والمالح يحدث من انحلال المرّ في التفه المائي، فإذا انعقد كماء الرماد صار ملحاً. والحامض يحدث من استحالة الحلاوة بنقصان الحرارة، ونضج العفوصة بزيادة الرطوبة والحرارة. وجوهره في جملة الأمر جوهر رطب، وكذلك الحلو فإن جوهره إلى الرطوبة، وجوهر المر والعفص إلى اليبوسة.
وأفعال الحلو: الإنضاج، والتليين، وتكثير الغذاء، والطبيعة تحبه، والقوى الجاذبة تجذبه.
وأفعال المرارة: الجلاء، والتخشين.
وأفعال العفوصة: القبض إن ضعف، والعصر إن اشتدّ.
وأفعال القبض: التكثيف والتصليب والحبس.
وأفعال الدسومة: التليين، والإزلاق، وإنضاج قليل.
وأفعال الحرافة: التحليل، والتقطيع، والتعفين.
وأفعال الملوحة: الجلاء، والغسل، والتجفيف، ومنع العفونة.
وأفعال الحموضة: التبريد، والتقطيع.
وقد يجتمع طعمان في جرم واحد، مثل اجتماع المرارة والقبض في الحضُض ، وتسمى البشاعة. ومثل اجتماع المرارة والملوحة في السليخة، وتسمى الزعوقة. ومثل اجتماع الرافة والحلاوة في العسل المطبوخ. ومثل اجتماع المرارة والحرافة والقبض في الباذنجان. ومثل اجتماع المرارة والتفه في الهندبا، وربما يعاون مقتضى طعمين على تقوية مقتضى طعم، فإن الحدة والحرافة الثابتة في الخل من الخمر يجعلانه أشدّ تبريداً، لأن الحدة والحرافة يفتحان المنافذ فيعينان على التنفيذ وإن لم يبلغا في الخل أن يسخنا تسخيناً يعتد به، فيصير تبريد الخل أغوص وربما تعاوق مقتضى طعمين منها، مثل الحموضة والعفوصة في الحصرم، فإن عفوصة الحصرم تمنع حموضته عن التبريد البالغ النافذ، وربما كان القوام معيناً للكيفية، وربما كان مضاداً. أما المعين، فمثل اللطافة التي تقارن الحموضة، فتجعل تبريدها أغوص.
وأما المضاد فمثل الكثافة التي تقارن المصل فتجعل تبريده أقل مسافة. وقد يعرض أن يكون بعض الطعوم غير صرف، ثم يصرف على الزمان مثل ماء الحصرم، فإنه إذا طالت عليه المدة خلصت عليه حموضته لكثرة ما يرسب من العفص وغيره.
وقد يعرض أن يكون بعض الطعام صرفاً، فيخلطه الزمان بغيره، مثل العسل فإنه يمرره ويحرِّفه الزمان زيادة تمرير وتحريف. وكما يقوي تمرير الزمان أو تحريفه عصير العنب، يمرره الزمان أولاً مرارة ممزوجة، ثم يأخذ فيها إلى الحرافة، وإذا اختلط العفص والمر، كان جلاء مع قبض ويصلح لإدمال القروح التي فيها رهل قليل، ويصد لكل إطلاق سببه سدد. وينفع الطحال نفعاً شديداً إن كانت المرارة ليست فيه بضعيفة وجميع ما بهذه الصفة، فإنه نافع للمعدة والكبد، فإن المر المطلق والحريف المطلق يضران بالأحشاء، فإن وافقها القبض نفعت فإنها بمرارتها تجلو وبما فيها من القبض تحفظ قوة الأحشاء. وقد يكون في القابض المر، بل في القابض الذي لا يظهر فيه كثير مرارة قوة تسهيل الصفراء والمائية بالعصر، ولا يكون فيه قوة مسهلة للبلغم اللزج، خصوصاً إن كان القبض أقوى عن المرارة. وهذا كالأفسنتين.
وكل حلو مع قبض، فهو حبيب إلى الأحشاء أيضاً لأنه لذيذ ومقوّ، وينفع خشونة المريء لأنه يشابه المعتدل. وكل مجفف بعفوصته أو قبضه إذا كانت فيه دسومة أو تفه أو حلاوة.
وبالجملة ما يمنع اللذع، فهو منبت للحم. فإن كان قبض مع حرافة أو مرارة وهو المركب من جوهر ناريّ وأرضي، فهو يصلح للقروح التي فيها رطوبة رديئة، ويصلح جداً للإدمال، وقد تتركّب قوى هذه بحسب تركب قوى موادها وطعومها على القياس الذي اشترطناه قبل. فهذا ما نقوله في الطعوم وما يلزم على أصولهم. وأما الكلام المحقق في هذه الأمور، فللعلم الطبيعي، والطبيب يكفيه هذا القدر مأخوذاً منهم.
وأما الروائح فإنها تحدث عن حرارة، وتحدث عن برودة، ولكن مشمَها ومسعطها هي الحرارة في أكثر الأمر، لأن العلة الأكثرية في تقريب الروائح إلى القوة الشامة هو جوهر لطيف بخاري، وإن كان قد يجوز أن يكون على سبيل استحالة الهواء من غير تحلل شيء من ذي الرائحة، إلا أن الأول هو الأكثري، فجميع الروائح التي يحدق منها لذع، أو تميل إلى جنبة الحلاوة، فكلها حارة والتي تحسق حامضة وكرجية ندوية، فكلها باردة.
والطيب أكثره حار، إلا ما يصحبه تندية وتسكين من الروح والنفس كالكافور والنيلوفر ، فإن أجسامها لا تخلو عن جوهر مبرد يصحب الرائحة إلى الدماغ، وكل طيب حار، وكلذلك جميع الأفاوية، وهي لذلك مصدعة.
وأما الألوان فقد قلنا فيها وعرفنا أنها تختلف في أكثر الأمر، وليست كالروْائح، لكنها تهدي في معنى واحد هداية أكثرية، وهو أن النوع الواحد إذا اختلفت أصنافه، وكان بعضه إلى البياض وبعضه إلى الصبغ الأحمر والأسود، فإن الضارب إلى البياض إن كان الطبع في النوع بارداً هو أبرد، والضارب إلى الآخرين أقل برداً وإن كان الطبع إلى الحرّ، فالأمر بالعكس، وقد يختلف هذا في أشياء، لكن الأكثري هو الذي قلته، فلنقل الآن في أفعال قوى الأدوية المفردة.

● [ يتم متابعة الجملة الأولى : القوانين الطبيعية ] ●


القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الثانى : الأدوية المفردة
منتدى حُكماء رُحماء الطبى . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو السبت 19 أغسطس 2017 - 19:17