أخر الباب الثالث: من بشر بفرج اونجا من محنة

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2824
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

أخر الباب الثالث: من بشر بفرج اونجا من محنة

مُساهمة من طرف الإدارة في الأربعاء 28 ديسمبر 2016 - 9:40


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الأسرة
الفرج بعد الشدة
أخر الباب الثالث
من بشر بفرج من نطق فال ونجا
من محنة بقول أو دعاء أو ابتهال

●[ دعاء النبي صلوات الله وسلامه عليه في كل هم ]●

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الكوفي، عن صالح بن حسان، عن محمد بن علي:
أن النبي صلى الله عليه وسلم علم علياً رضى الله عنه، دعاء يدعو به في كل هم، وكان علي يعلمه الناس، وهو: يا كائناً قبل كل شيء، يا مكون كل شيء، ويا كائناً بعد كل شيء، افعل بي كذا وكذا.

● [ الدعاء الذي خلص عمرو السرايا من العلج ] ●

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني إسحاق بن البهلول التنوخي، قال: حدثني إسحاق ابن عيسى، ابن بنت داود بن أبي هند، عن الحارث البصري، عن عمرو السرايا، قال: كنت أغير في بلاد الروم وحدي، فبينا أنا ذات يوم نائم، إذ ورد علي علج، فحركني برجله، فانتبهت.
فقال لي: يا عربي، اختر، إن شئت مسايفةً، وإن شئت مطاعنةً، وإن شئت مصارعةً.
فقلت: أما المسايفة والمطاعنة، فلا بقيا لهما، ولكن مصارعة، فنل، فلم ينهنهني أن صرعني، وجلس على صدري، وقال: أي قتلة تريد أن أقتلك، فذكرت الدعاء، فرفعت رأسي إلى السماء، فقلت: أشهد أن كل معبود ما دون عرشك، إلى قرار الأرضين، باطل غير وجهك الكريم، فقد ترى ما أنا فيه، ففرج عني، وأغمي علي، فأفقت، فرأيت الرومي قتيلاً إلى جانبي.
قال إسحاق بن بنت داود، فسألت الحارث البصري، عن الدعاء، فقال: سألت عنه عمرو السرايا، فقلت له: بالله يا عمرو ما قلت، قالت: قلت: اللهم رب إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ورب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ومنزل التوراة والإنجيل، والزبور، والقرآن العظيم، ادرأ عني شره، فدرأ عني شره.
قال إسحاق بن بنت داود: فحفظته وقلت أعلمه الناس، فوجدته نافذاً، وهو الإخلاص بعينه.

● [ تخلص من القتل بدعاء دعا به ] ●

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا جرير بن حفص، عن الشعبي قال: كنت جالساً عند زياد، فأتي برجل يحمل، ما يشك في قتله، فحرك الرجل شفتيه بشيء ما ندري ما هو، فخلى سبيله.
فقلت للرجل: ما قلت، قال: قلت: أللهم رب إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ورب جبريل وميكائيل وإسرافيل، ومنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم، ادرأ عني شر زياد، فدرأه عني.

● [ زياد بن أبيه ] ●

من دهاة العرب وأذكيائهم، عمل في خدمة الدولة، منذ نعومة أظفاره، فقد ولي قسمة الغنائم، بأجر درهمين في اليوم، وهو ابن 14 سنة معجم البلدان 1-640، ثم كتب لأبي موسى الأشعري، أيام ولايته البصرة، ثم ولي فارس للإمام علي بن أبي طالب الأعلام 3-89، ولما قتل الإمام بايع زياد معاوية، فولاه البصرة والكوفة، وارتفع أجره إلى خمسة وعشرين ألف درهم تاريخ اليعقوبي 2-234. وبالغ زياد في التعصب على شيعة علي، فقتلهم، وشردهم، ودفن بعضهم أحياء الأغاني 17-153 والمحاسن والأضداد 27 وكان يجمع الناس ويحرضهم على البراءة من علي، ومن أبى ذلك، عرضه على السيف المحاسن والمساوىء 1-39 ومروج الذهب 2-20، وكان شعور زياد بنشأته المتواضعة، قد كون فيه مركب نقص سعى جاهداً للتخلص منه، فأدى ذلك به إلى سقطة شنيعة، وهي موافقته على إعلانه أحد أولاد أبي سفيان الأموي، بحجة واضحة الخزي، وهي أن أبا سفيان، في السنة الأولى من الهجرة، زنى بأم زياد سمية، وكانت من البغايا بالطائف مروج الذهب 2-5، وتاريخ اليعقوبي 2-219 والفخري 109 و 110 فأكسبه ذلك خزياً وشناعةً، وقال فيه أخوه أبو بكرة: هذا زنى أمه، وانتفى من أبيه وفيات الأعيان 6-358 وقد كان له من حصافته، ودهائه، ما يغنيه عن هذا الاستلحاق الذي جعله، وذريته من بعده، موضع هزء وسخرية بلاغات النساء 143 والمحاسن والمساوىء 2-148 حتى أصبحوا مضرب المثل في الادعاء الكاذب، قال الشاعر يهجو كاتباً:
حمار في الكـتـابة يدّعـيهـا ● كدعى آل حرب في زياد
راجع أخبار زياد في الأغاني 18-270، 272، 277 و 18-285 و 20-77 والعقد الفريد 4-26 و 6-100 وأدب الكتاب 170 والطبري 8-129، 130، 134، 138، 139.

● [ هارون الرشيد يأمر بقتل فتى فينجيه الله تعالى ] ●

أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أخبرني عيسى بن عبد العزيز الظاهري، قال: أخبرني أبو عبد الله قال:
أمر الرشيد بعض خدمه، فقال: إذا كان الليلة، فصر إلى الحجرة الفلانية، فافتحها، وخذ من رأيت فيها، فأت به موضع كذا وكذا، من الصحراء الفلانية، فإن ثم قليباً محفوراً، فارم به، وطمه بالتراب، وليكن معك فلان الحاجب.
قال: فجاء الغلام إلى باب الحجرة، ففتحه، فإذا فيها غلام كالشمس الطالعة، فجذبناه جذباً عنيفاً.
فقال له: اتق الله، فالله، الله، أن تلقى الله بدمي، فلم يلتفت إلى قوله، وأخرجه إلى الموضع.
فلما أشرف الفتى على التلف، وشاهد القليب، قال له: يا هذا، إنك على رد ما لم تفعل، أقدر منك على رد ما فعلت، فدعني أصلي ركعتين، وامض لما أمرت به.
فقال له: شأنك وما تريد.
فقام الفتى، صلى ركعتين، قال فيهما: يا خفي اللطف، أغثني في وقتي هذا، والطف بي بلطفك الخفي.
فلا والله ما استتم دعاءه، حتى هبت ريح وغبرة، حتى لم ير بعضهم بعضاً، فوقعوا لوجوههم، واشتغلوا بأنفسهم عن الفتى، ثم سكنت الريح والغبرة، وطلبنا الفتى، فلم يوجد، وقيوده مرمية.
فقال الحاجب لمن معه: هلكنا والله، سيقع لأمير المؤمنين أنا أطلقناه، فماذا نقول له، إن كذبناه لم نأمن أن يبلغه خبر الفتى فيقتلنا، ولئن صدقناه، ليعجلن لنا المكروه.
فقال له الآخر: يقول الحكيم: إن كان الكذب ينجي، فالصدق أرجى وأنجى.
فلما دخلوا عليه، قال لهم: ما فعلتم فيما تقدمت به إليكم، فقال له الحاجب: يا أمير المؤمنين، الصدق أولى ما اتبع في جميع الأمور، ومثلي لا يجترىء أن يكذب بحضرتك، وإنه كان من الخبر كيت وكيت.
فقال الرشيد: لقد تداركه اللطف الخفي، والله، لأجعلنها في مقدمات دعائي، امض لشأنك، واكتم ما جرى.

● [ يا سامع كل صوت ] ●
ويا بارىء النفوس بعد الموت

حدثني محمد بن الحسن، قال: حدثني محمد بن عمرو بن البحتري البزاز، في جامع المنصور، في سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة، قال: حدثنا الفضل بن إسحاق الدوري، عن محمد بن الحسن، عن أبي سلمة عبد الله ابن منصور، قال: حزن رجل حزناً شديداً، على شيء لحقه، وأمر أهمه وأقلقه، فألح في الدعاء، فهتف به هاتف: يا هذا، قل: يا سامع كل صوت، ويا بارىء النفوس بعد الموت، ويا من لا تغشاه الظلمات، ويا من لا يشغله شيء عن شيء.
قال: فدعا بها، ففرج الله عنه، ولم يسأل الله تلك الليلة حجة، إلا أعطاه.

● [ لا حول ولا قوة إلا بالله ] ●

حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني القاسم بن هاشم، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا صفوان بن عمرو، عن أبي يحيى إسحاق العدواني، قال: كنا بإزاء آزرمهر، عند مدينة الكرج، وقد زحف إلينا في ثمانين فيلاً، فكادت تنقض الصفوف، وتشتت الخيول، وكان أميرنا محمد بن القاسم، فنادى عمران بن النعمان أمير أهل حمص، وأمراء الأجناد، فنهضوا، فما استطاعوا، فلما أعيته الأمور، نادى مراراً: لا حولا ولا قوة إلا بالله، فكشف الله الفيلة، وسلط عليها الحر، فأنضحها، ففزعت إلى الماء، فما استطاع سواسها، ولا أصحابها، حسبها، وحملت خيلنا، وكان الفتح بإذن الله تعالى.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا القاسم بن هاشم، قال: حدثنا أبو اليمان قال: حدثنا صفوان بن عمرو، عن الأشياخ: أن حبيب بن مسلمة كان يستحب إذا لقي العدو، أو ناهض حصناً، أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم إنه ناهض يوماً حصناً، فانهزم الروم، وتحصنوا في حصن آخر لهم، أعجزه، فقالها، فانصدع الحصن.

● [ الذي كفاك الأمس يكفيك غدك ] ●

حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: بلغني أن بعض الملوك، نفى وزيراً له، لموجدة وجدها عليه، فاغتم لذلك غماً شديداً، فبينا هو يسير، إذ أنشده رجل هذين البيتين:
أحـسـن الـظـنّ بـربّ عـوّدك ● حسـنـاً أمس وسوّى أودك
إنّ ربّـاً كـــان يكـفـيك الّـذي ● كان بالأمس سيكفيك غدك
فسري عن الوزير، وأمر له بعشرة آلاف درهم.

● [ لا تيأسن كأن قد فرج الله ] ●

حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن السراج، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا محمد بن أبي رجاء، مولى بني هاشم قال:
أصابني هم شديد، لمر كنت فيه، فرفعت مقعداً لي، كنت جالساً عليه، فإذا برقعة مكتوبة فنظرت فيها، فإذا فيها مكتوب:
يا صاحب الهمّ إنّ الهمّ منقطعٌ ● لا تيأسنّ كأن قد فرّج اللّه
قال: فذهب عني ما كنت فيه من الغم، ولم ألبث أن فرج الله عني، فلله الحمد والشكر.

● [ كن للمكاره بالعزاء مقطعاً ] ●



حدثني أبو بكر الثقفي، قال: قال بعضهم: أصابني هم ضقت به ذرعاً، فنمت، فرأيت كأن قائلاً يقول:
كن للـمـكاره بـالعـزاء مـقـطّـعـاً ● فلعلّ يوماً لا ترى مـا تـكره
ولربّما ابتسم الوقور من الأذى ● وضـــمــيره من حـرّه يتأوّه

● [ الوزير محمد بن القاسم يلاقي عاقبة ظلمه ] ●

حدثني أبو الحسن علي بن الحسن، الشاهد المعروف بالجراحي، من حفظه، قال: حدثني أبو الحسن بن أبي الطاهر محمد بن الحسن الكاتب، صاحب الجيش، قال: قبض علي أبو جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله، في أيام وزارته للقاهر بالله، وعلى أبي، فحبسنا في حجرة ضيقة، وأجلسنا على التراب، وشدد علينا، وكان يخرجنا في كل يوم، فيطالب أبي بمال المصادرة، وأضرب أنا بحضرة أبي، ولا يضرب هو، فلاقينا من ذلك أمراً شديداً صعباً.
فلما كان بعد أيام، قال لي أبي: إن هؤلاء الموكلين، قد صارت لهم بنا حزمة، فتوصل إلى مكاتبة أبي بكر الصيرفي - وكان صديقاً لأبي - حتى ينفذ إلينا بثلاثة آلاف درهم، نفرقها فيهم، ففعلت ذلك، فأنفذ إلينا بالمال من يومه.
فقلت للموكلين، في عشي ذلك اليوم: قد وجبت لكم علينا حقوق، فخذوا هذه الدراهم، فانتفعوا بها، فامتنعوا.
فقلت: ما سبب امتناعكم، فوروا عن ذلك.
فقلت: إما قبلتم، وإما عرفتمونا السبب الذي لأجله امتناعكم.
فقالوا: نشفق عليكم، ونستحي من ذلك.
فقال لهم أبي: اذكروه على كل حال.
قالوا: قد عزم الوزير على قتلكما الليلة، ولا نستحسن أخذ شيء منكما مع هذا.
فقلقت، ودخلت إلى أبي بغير تلك الصورة، فقال: ما لك، فأخبرته بالخبر، وقلت لأبي: ما أصنع بالدراهم، فقال: ردها على أبي بكر، فرددتها عليه.
وكان أبي يصوم تلك الأيام كلها، فلما غابت الشمس، تطهر، وصلى المغرب، فصليت معه، ولم يفطر، ثم أقبل على الصلاة الدعاء، إلى أن صلى العشاء الآخرة، ثم دعاني.
فقال: اجلس يا بني إلى جانبي، جاثياً على ركبتيك، ففعلت، وجلس هو كذلك.
ثم رفع رأسه إلى السماء، فقال: يا رب، محمد بن القاسم ظلمني، وحبسني على ما ترى، وأنا بين يديك، وقد استعديت إليك، وأنت أحكم الحاكمين، فاحكم بيننا؛ لا يزيد عن ذلك.
ثم صاح بها إلى أن ارتفع صوته، ولم يزل يكررها بصياح ونداء واستغاثة، إلى أن ظننت أنه قد مضى ربع الليل.
فوالله ما قطعها حتى سمعت الباب يدق، فذهب علي أمري، ولم أشك في أنه القتل.
وفتحت الأبواب، فدخل قوم بشموع، فتأملت، وإذا فيهم سابور، خادم القاهر، فقال: أين أبو طاهر، فقال إليه أبي، فقال: ها أنذا.
فقال: أين ابنك، فقال: هوذا.
فقال: انصرفا إلى منزلكما، فخرجنا، فإذا هو قد قبض على محمد بن القاسم، وحدره إلى دار القاهر.
وعاش محمد بن القاسم في الاعتقال ثلاثة أيام، ومات.

● [ الظلم ] ●

الظلم، في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه، وفي الاصطلاح: إيذاء الناس، وانتقاص حقوقهم، وهو خلاف التقوى التي هي مخافة الله، والعمل بطاعته، وكف الأذى، قال الله تعالى: فقطع دابر القوم الذين ظلموا، وقال النبي صلوات الله عليه: الظلم ظلمات يوم القيامة محاضرات الأدباء 1-215 وقال: من أعان ظالماً سلطه الله عليه محاضرات الأدباء 1-218. والتاريخ عامر بأخبار قوم آذوا وظلموا، فمنهم من عوجل، كما في هذه القصة، ومنهم من أمهل، غير أن عاقبة ظلمه، أصابت أولاده وأحفاده وأهل بيته، مصداقاً لقول النبي صلوات الله عليه: من خاف على عقبه، وعقب عقبه، فليتق الله، وقد كان الحجاج بن يوسف الثقفي من الظالمين، ولم يعاجل، لما استخلف سليمان بن عبد الملك، أمر بجميع الرجال من آل أبي عقيل، عائلة الحجاج، فاعتقلوا بواسط، وعذبوا، حتى ماتوا جميعاً ابن الأثير 3-588، 589، ولما استخلف الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز، بعث الباقين من أهل بيت الحجاج، إلى الحارث بن عمر الطائي، عامله على البلقاء، وكتب إليه: أما بعد، فقد بعثت إليك بآل أبي عقيل، وبئس- والله- أهل البيت في دين الله، وهلاك المسلمين، فأنزلهم بقدر هوانهم على الله تعالى، وعلى أمير المؤمنين البصائر والذخائر م 2 ق 2 ص 586، وكانت عاقبة ظلم بعض الخلفاء في العهد الأموي للناس، أن العباسيين لما انتصروا عليهم، قتلوا أولادهم، وأحفادهم، حتى النساء، قتلاً ذريعاً، فلم يفلت منهم إلا الرضيع، أو من هرب إلى الأماكن القاصية كالأندلس ابن الأثير 5-429 - 431 وأخبار مجموعة في فتح الأندلس 48 و 49 ثم تجاوزوا الأحياء منهم إلى الأموات، فنبشوا قبورهم، وأخرجوا رممهم وضربوها بالسياط، ثم أحرقوها بالنار، ونادى منادي عبد الله بن علي، بالأمان لمن بقي، فلما اجتمعوا، أمر الجند فشدخوهم بالأعمدة حتى قتلوهم الفخري 252 والعيون والحدائق 3-206 - 211 وابن الأثير 5 - 429 والعقد الفريد 4-483 - 487، والأغاني 4-343 - 355 ومحاضرات الأدباء 4-535 وأخبار مجموعة في فتح الأندلس 48 و 49، وروى ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ 8-381 و 382 فصلاً في مظالم البريديين، ثم قال: إنه ذكر هذا الفصل ليعلم الظلمة أن أخبارهم تنقل، وتبقى على وجه الدهر، فربما تركوا الظلم لهذا، إن لم يتركوه لله سبحانه وتعالى.
طاهر بن الحسين يحمل الدراهم في كمه ويفرقها على الفقراء
لما خرج طاهر بن الحسين إلى محاربة علي بن عيسى بن ماهان، جعل ذات يوم في كمه دراهم، يفرقها في الفقراء، ثم سها عنها، فأرسلها، فتبددت، فتطير بذلك، واغتم غماً شديداً، حتى تبين في وجهه، فأنشده شاعر كان في عسكره:
هذا تـفـرّق جـمـــعــهم لا غيره ● وذهـابه منكم ذهاب الهــــمّ
شيء يكون الهمّ بعض حروفه ● لا خير في إمساكه في الكمّ
قال: فسلا طاهر، وأمر له بثلاثين ألف درهم.

● [ الهادي يتهدد يحيى البرمكي ] ●
ويتوعده بكل عظيمة

انصرف يحيى بن خالد البرمكي، من عند الهادي، وقد ناظره في تسهيل خلع العهد على هارون، فحلف له يحيى أنه فعل، وجهد فيه، فامتنع عليه هارون.
فقال له الهادي: كذبت، ووالله لأفعلن بك وأصنعن، وتوعده بكل عظيمة، وصرفه.
فجاء إلى بيته، فكلم بعض غلمانه بشيء، فأجابه بما غاظه، فلطمه يحيى، فانقطعت حلقة خاتمه، وطاح الفص، فاشتد ذلك على يحيى، وتطير منه، واغتم، فدخل عليه السياري الشاعر، وقد أخبر بالقصة، فأنشده في الحال:
أخلاك من كلّ الهموم سـقوطه ● وأتـاك بـالـفرج انفراج الخاتــم
قد كان ضاق ففكّ حلقة ضيقه ● فاصبر فما ضيق الزمان بـدائم
قال: فما أمسى حتى ارتفعت الواعية بموت موسى الهادي، وصار الأمر إلى هارون الرشيد، فأعطاه مائة ألف درهم.

● [ موسى بن عبد الملك صاحب ديوان الخراج ] ●
يموت وهو على صهوه جواده

قال أبو علي القنائي، قال لي جدي: بكرت يوماً إلى موسى بن عبد الملك، وحضر داود بن الجراح، فوقف إلى جانبي، فقال لي: كان لي أمس خبر طريف، انصرفت من عند موسى ابن عبد الملك، فوجدت في منزلي امرأة من شرائف النساء، فشكته إلي، وقالت: قد حاول أن يأخذ ضيعتي الفلانية، وأنت تعلم أنها عمدتي في معيشتي، وأن في عنقي صبية أيتاماً، فأي شيء تدبر في أمري، أو تشير علي.
فقلت: من معك وراء الستر،
فقالت: ما معي أحد.
فقلت: أما التدبير في أمرك، فما لي فيه حيلة، وأما المشورة، فقد قال النبطي: لا تبع أرضك من إقدام الرجل السوء، فإن الرجل السوء يموت، والأرض تبقى، فدعت لي، وانصرفت.
فما انقضى كلامه، حتى خرج موسى، فقال لداود: يا أبا سليمان، لأتبع أرضك من إقدام الرجل الرديء، فإنه يموت، والأرض تبقى.
فقال لي داود: أسمعت، هذا والله الموت، أين أهرب، أين أمضي، ما آمنه والله على نفسي، ولا على نعمتي، فأشر علي بما أصنع، قبل نفاذ طريقنا، ونزولنا معه إلى الديوان.
فقلت: والله، ما أدري.
فرفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم اكفني أمره، وشره، وضره، فإنك تعلم قصتي، وأني ما أردت بما قلت إلا الخير، واشتد قلقه وبكاؤه ودعاؤه.
وقربنا من الديوان، فقال موسى، وهو على دابته: متى حدث هذا الجبل الأسود في طريقنا، ومال على سرجه حتى سقط، وأسكت.
فحمل إلى منزله، وكان آخر العهد به.

●[ يا ذا العرش اصنع كيف شئت فإن أرزاقنا عليك ]●

ذكر المدائني في كتابه: قال أبو سعيد، وأنا أحسبه يعني الأصمعي: نزلت بحي من كلب مجديين، قد توالت عليهم السنون، فماتت المواشي، ومنعت الأرض من أخراج النبات، وأمسكت السماء قطرها، فجعلت أنظر إلى السحابة ترتفع من ناحية القبلة سوداء متقاربة، حتى تطبق الأرض، فيتشوف لها أهل الحي ويرفعون أصواتهم بالتكبير، ثم يعدلها الله عنهم مراراً.
فلما كثر ذلك، خرجت عجوز منهم، فعلت نشزاً من الأرض، ثم نادت بأعلى صوتها: يا ذا العرش، اصنع كيف شئت فإن أرزاقنا عليك.
فما نزلت من موضعها، حتى تغيمت السماء غيماً شديداً، وأمطروا مطراً كاد أن يغرقهم، وأنا حاضر.

● [ يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج ] ●
وخليفته في الظلم والبغي

وذكر المدائني في كتابه، قال: وجه سليمان بن عبد الملك، حين ولي الخلافة، محمد بن يزيد إلى العراق، فأطلق أهل السجون، وقسم الأموال، وضيق على يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج، فظفر به يزيد بأفريقية لما وليها في شهر رمضان عند المغرب، وفي يده عنقود عنب.
فجعل محمد يقول: اللهم احفظ لي إطلاقي الأسرى، وإعطائي الفقراء.
فقال له يزيد حين دنا منه: محمد بن يزيد، ما زلت أسأل الله أن يظفرني بك.
قال له: وما زلت أسأل الله، أن يجيرني منك.
قال: والله، ما أجارك، ولا أعاذك مني، والله لأقتلنك قبل أن آكل هذه الحبة العنب، ووالله لو رأيت ملك الموت يريد قبض روحك، لسبقته إليها.
فأقيمت الصلاة، فوضع يزيد الحبة العنب من يده، وتقدم، فصلى بهم.
وكان أهل أفريقية قد أجمعوا على قتله، فلما ركع، ضربه رجل منهم على رأسه بعمود حديد، فقتله.
وقيل لمحمد: اذهب حيث شئت، فمضى سالماً.
ذكره القاضي أبو الحسين في كتابه بغير إسناد، ولم يعزه إلى المدائني، وجاء به على خلاف هذا اللفظ، والمعنى واحد، إلا أنه جعل بدل محمد بن يزيد، وضاحاً، صاحب عمر بن عبد العزيز، وبدلاً من سليمان بن عبد الملك، عمر بن عبد العزيز، ولم يذكر الدعاء في خبره.
ووقع إلي هذا الخبر، على غير هذا، حدثنيه علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق ابن زياد، قال: حدثنا أبو همام الصلت بن محمد الخاركي، قال: حدثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، قال: حدثني محمد بن يزيد، قال: إن سليمان بن عبد الملك، أنفذ محمد بن يزيد إلى ديماس الحجاج، وفيه يزيد الرقاشي، ويزيد الضبي، وعابدة من أهل البصرة، فأطلق كل من فيه، غير يزيد بن أبي مسلم.
فلما مات سليمان، قال محمد: كنت مستعملاً على أفريقية، إذ قدم يزيد بن أبي مسلم، أميراً، في خلافة يزيد بن عبد الملك.
قال محمد: فعذبني عذاباً شديداً، حتى كسر عظامي، فأتي بي يوماً في كساء، أحمل عند المغرب.
فقلت له: ارحمني.
فقال: التمس الرحمة من عند غيري، ولو رأيت ملك الموت عند رأسك، لبادرته إلى نفسك، اذهب حتى أصبح لك.
فدعوت الله، وقلت: أللهم اذكر ما كان مني في أهل الديماس، اذكر يزيد الرقاشي، وفلاناً، وفلاناً، واكفني شر يزيد بن أبي مسلم، وسلط عليه من لا يرحمه، واجعل ذلك من قبل أن يرتد إلي طرفي، وجعلت أحبس طرفي رجاء الإجابة.
فدخل عليه ناس من البربر، فقتلوه، ثم أطلقوني، فقالوا لي: اذهب حيث شئت.
فقلت لهم: اذهبوا واتركوني، فإني أخاف إن انصرفت، أن يظن أن هذا من عملي.
فذهبوا، وتركوني.
حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني عمر بن شبة، قال: حدثني محدث عن أمية بن خالد عن وضاح بن خيثمة، قال: أمرني عمر بن عبد العزيز بإخراج من في السجن، فأخرجتهم إلا يزيد بن أبي مسلم، فنذر دمي، فإني لبإفريقية، إذ قيل لي: قد قدم يزيد ابن أبي مسلم، فهربت منه، فأرسل في طلبي، فأخذت، وأتي بي إليه.
فقال: وضاح، قلت: وضاح.
فقال: أما والله، طالما سألت الله أن يمكنني منك.
فقلت: وأنا والله لطالما سألت الله أن يعيذني منك.
فقال: والله، ما أعاذك مني، ووالله، لأقتلنك، ولو سابقني إليك ملك الموت، لسبقته.
ثم استدعى بالسيف والنطع، فجيء بهما، وكتفت، وأقعدت فيه، لتضرب عنقي، وقام قائم على رأسي بالسيف مشهوراً، فأقيمت الصلاة فخرج يزيد وصلى بهم، فلما خر ساجداً، أخذته سيوف الجند، وأطلقت.
حدثني محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أخبرني أحمد بن محمد السرخسي أبو بكر، قال: أخبرنا أبو العباس ثعلب، عن الزبير بن بكار، قال: كان وضاح حاجباً لعمر بن عبد العزيز، فلما حضرت عمر الوفاة أمر بإخراج كل من في الحبس، إلا يزيد بن أبي مسلم. وذكر الحديث.

● [ عواقب مكروه الأمور خيار ] ●

حدثني أبو طالب عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن الفضل بن أحمد ابن محمد بن حماد دنقش، مولى المنصور وصاحب حرسه، وكان محمد ابن حماد يحجب الرشيد والمعتصم، وأحمد بن محمد أحد القواد بسر من رأى مع صالح بن وصيف، وولي الشرطة بها للمهتدي، وأحمد بن محمد بن الفضل، يكنى أبا عيسى، وكان أحد أمناء القضاة ببغداد، قال: قال لي القاضي أبو القاسم علي بن محمد التنوخي، قال: حدثني القاضي أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي الأنباري، قال: حدثني أبو عبد الله بن أبي عوف البزوري، قال: دخلت على أبي العباس بن ثوابة، وكان محبوساً، فقال لي: احفظ عني.
قلت: نعم.
فقال:
عواقب مكروه الأمور خيار ● وأيّام سوء لا تدوم قصار
وليس بباق بؤسها ونعيمها ● إذا كـرّ لـيلٌ ثـمّ كـرّ نــهار
قال: فلم تمض إلا أيام يسيرة، حتى أطلق من حبسه.
وقد ذكر أبو الحسين القاضي، في كتابه، هذين البيتين، بغير إسناد، ولم يذكر القصة، ولا سبب الشعر.

● [ لا تيأس فإن اليأس كفر ] ●

حدثني أحمد بن عبد الله بن أحمد الوراق، قال: حدثني أبو بكر محمد بن عبد الله العلاف، المعروف بالمستعيني، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني محمد بن الحسين الأنصاري، قال: حدثني إبراهيم ابن مسعود، عن بعض تجار المدينة، قال: كنت أختلف إلى جعفر بن محمد، وكنت له خليطاً، وكان يعرفني بحسن حال، فتغيرت حالي، فأتيته، فجعلت أشكو إليه، فأنشأ يقول:
فلا تجزع وإن أعسرت يوماً ● فقد أيسرت في الّزمن الطّويل
قال: فخرجت من عنده، وأنا أغنى الناس.
حدثني أحمد بن عبد الله بن أحمد الوراق، قال: حدثنا أبو الفضل أحمد بن سليمان القاضي، قال: حدثنا طاهر بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي بن جعفر بن محمد، قال: جاء رجل إلى جعفر بن محمد، فشكا إليه الإضافة، فأنشده جعفر بن محمد:
فلا تجـزع إذا أعسرت يوماً ● فكم أرضاك باليسر الطّويل
ولا تـيأس فـإنّ الــياس كفر ● لعـلّ الـلّـه يغـني عـن قـليل
ولا تـظـنـن بـربّك غير خير ● فإنّ الـلّـه أولـى بــالـــجميل
قال الرجل: فذهب عني ما كنت أجد.
وروى القاضي أبو الحسين في كتابه كتاب الفرج بعد الشدة هذا الشعر بغير خبر، ولا إسناد، ونسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، وروى البيت الأول كما رواه ابن أبي سعد في الخبر الذي رويت قبل هذا، وقال بعده:
فإنّ العـسـر يتـبـعه يسارٌ ● وقيل اللّه أصدق كلّ قيل
ثم جاء بالبيتين الثاني والثالث، كما جاءا في هذين البيتين، وزاد بعد ذلك بيتاً خامساً، وهو:
ولو أنّ العـقـول تسوق رزقاً ● لكان المال عند ذوي العقول

● [ عبيد الله بن زياد ] ●
يشتم رجلاً من القراء ويتهدده

وذكر القاضي أبو الحسين، في كتابه: أن المدائني روى عن محمد بن الزبير التميمي، أن عبيد الله بن زياد، أتي برجل من القراء فشتمه، وقال له: أحروري أنت ?.
فقال الرجل: لا والله، ما أنا بحروري.
فقال: والله، لأفعلن بك، ولأصنعن، انطلقوا به إلى السجن، فانطلقوا به.
فسمعه ابن زياد يهمهم، فرده، وقال له: ما قلت، فقال: عن لي بيتان من الشعر قلتهما.
فقال: إنك لفارغ القلب، أنت قلتهما، أم شيء سمعته، قال: بلى قلتهما، وهما:
عسـى فــرج يأتـي بـــه اللّه إنّه ● له كـلّ يوم فـي خـــلــيقته أمر
إذا اشتدّ عسرٌ فارج يسراً فإنه ● قضى اللّه أنّ العسر يتبعه يسر
فسكت ابن زياد ساعة، ثم قال: قد أتاك الفرج، خلوا سبيله.
أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد، قال: أخبرني علي بن دبيس الكاتب، عن أحمد بن الحاث الخراز، عن علي بن محمد المدائني، عن محمد بن الزبير التميمي، فذكر نحوه.

● [ علي بن يزيد كاتب العباس بن المأمون ] ●
يتحدث عن أيام فاقته

وذكر القاضي أبو الحسين في كتابه، قال: حدثني أبي، قال: حدثني أبو يوسف يعقوب بن بيان، قال: حدثني علي بن الحسين بن محمد بن موسى ابن الفرات، قال: كنت أتولى ماسبذان، وكان صاحب البريد بها علي بن يزيد، وكان قديماً يكتب للعباس بن المأمون، فحدثني: أن العباس غضب عليه وأخذ جميع ما كان يملكه، حتى إنه بقي بسر من رأى لا يملك شيئاً إلا برذونه، بسرجه ولجامه، ومبطنة، وطيلساناً، وقميصاً، وشاشية، وأنه كان يركب في أول النهار، فيلقى من يريد لقاءه، ثم ينصرف، فيبعث ببرذونه إلى الكراء، فيكسب عليه ما يعلفه، وما ينفقه هو وغلامه.
فاتفق في بعض الأيام أن الدابة لم تكسب شيئاً، فبات هو وغلامه طاويين، قال: ونالنا من الغد مثل ذلك.
فقال غلامي: يا مولاي، نحن نصبر، ولكن الشأن في الدابة، فإني أخاف أن تعطب.
قلت: فأي شيء أعمل، ليس إلا السرج، واللجام، وثيابي، وإن بعت من ذلك شيئاً، تعطلت عن الحركة، وطلب التصرف.
قال: فانظر في أمرك.
فنظرت، فإذا بحصيري خلق، ومخدتي لبنة مغشاة بخرقة، أدعها تحت رأسي، ومطهرة خزف للطهور، فلم أجد غير منديل دبيقي خلق، قد بقي منه الرسم.
فقلت للغلام: خذ هذا المنديل، فبعه، واشتر علفاً للدابة، ولحماً بدرهم، واشوه، وجىء به، فقد قرمت إلى أكل اللحم.
فأخذ المنديل، ومضى، وبقيت في الدار وحدي، وفيها شاهمرج قد جاع لجوعنا، فلم أشعر إلا بعصفور قد سقط في المطهرة التي فيها الماء للطهور، عطشاً، فشرب، فنهض إليه الشاهمرج، فناهضه، فلضعفه ما قصر عنه، وطار العصفور، ووقف الشاهمرج، فعاد العصفور إلى المطهرة، فبادره الشاهمرج فأخذه بحمية، فابتلعه، فلما صار في حوصلته، عاد إلى المطهرة، فتغسل، ونشر جناحيه وصاح، فبكيت، ورفعت رأسي إلى السماء، وقلت: اللهم، كما فرجت عن هذا الشاهمرج، فرج عنا، وارزقنا من حيث لا نحتسب.
فما رددت طرفي، حتى دق بابي، فقلت: من أنت، قال: أنا إبراهيم بن يوحنا، وكيل العباس بن المأمون.
فقلت: ادخل، فدخل، فلما نظر إلى صورتي، قال: ما لي أراك على هذه الصورة، فكتمته خبري.
فقال لي: الأمير يقرا عليك السلام، وقد اصطبح اليوم، وذكرك وقد أمر لك بخمسمائة دينار، وأخرج الكيس فوضعه بين يدي.
فحمدت الله تعالى، ودعوت للعباس، ثم شرحت له قصتي، وأطفته في داري وبيوتي، وحدثته بحديث الدابة، وما تقاسيه من الضر، والمنديل، والشاهمرج، والدعاء، فتوجع لي، وانصرف.
ولم يلبث أن عاد، فقال لي: صرت إلى الأمير، وحدثته بحديثك كله، فاغتم لذلك، وأمر لك بخمسمائة دينار أخرى، قال: تأثث بتلك، وأنفق هذه، إلى أن يفرج الله.
وعاد غلامي، وقد باع المنديل، واشترى منه ما أردته، فأريته الدنانير، وحدثته الحديث، ففرح حتى كاد أن تنشق مرارته.
وما زال صنع الله يتعاهدنا.

● [ صاحب البريد ] ●

اختلف المؤرخون في أصل كلمة البريد، فقيل إن أصلها فارسي من: بريدن، أي العبور المعجم الذهبي، فارسي - عربي، وقيل، من: بريده دم، أي محذوف الذنب، لأن دواب البريد كانت كذلك شفاء الغليل 39 وقيل من: بردن، أي نقل وحمل الألفاظ الفارسية المعربة 18، وقيل: إن أصلها لاتيني، ومعناها: دابة البريد، ثم صرفت إلى ناقل البريد، ثم أطلقت بعد ذلك على نظام البريد دائرة المعارف الإسلامية 3-609، والألفاظ الفارسية المعربة 18.
والبريد: ولاية جليلة خطيرة، ومتقلدها يحتاج إلى جماعة كثيرة، وإلى مواد غزيرة، ومن جملة أعماله حفظ الطريق، وبذرقتها، وصيانتها من القطاع والسراق، وطروق الأعداء، وانسلال الجواسيس في البر والبحر، وإليه ترد كتب أصحاب الثغور، وولاة الأطراف، وهو يوصلها بأسرع ما يمكن من اختصار الطرق، واختيار المراكب والراكب آثار الدول 86، وأصحاب البريد للملوك، بمنزلة العيون الباصرة، والآذان السامعة، فإن أهمل الملك ذلك، ولم يكشف له حال أوليائه وأعدائه، انطوت عنه الأخبار، ولم تستقم له السياسة، بل لا يحس بالشر حتى يقع فيه آثار الدول 83.
وأول من وضع البريد، معاوية بن أبي سفيان الفخري 106 ولم يكن البريد، عندئذ، مثل ما نعرفه الآن في نقل الرسائل، وإنما كان مقصوراً على نقل ما يهم الدولة ورجالها، كما كان صاحب البريد، في كل كورة، بمثابة عين للخليفة يكتب إليه بكل ما يقع عليه بصره، أو يصل إلى أذنه من أخبار تاريخ بغداد لابن طيفور 64.
وقال المنصور يوماً: ما كان أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعة نفر، لا يكون على بابي أعف منهم، وهم أركان الملك لا يصلح إلا بهم، أولهم: قاض لا تأخذه في الله لومة لائم، وثانيهم: صاب شرطة ينصف الضعيف من القوي، وثالثهم: صاحب خراج يستقصي لي، ولا يظلم الرعية، أما الرابع: فصاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء، على وجه الصحة لطف التدبير 13، ابن الأثير 6-26، الطبري 8-66.
ومن مشاهير من ولي البريد، أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، الشاعر المشهور، فإن الحسن بن وهب ولاه بريد الموصل، فأقام بها أقل من سنتين، ومات سنة 231 فبنى على قبره أبو نهشل بن حميد الطوسي قبة وفيات الأعيان 2-15 - 17، وأحسب أن ذلك جزاء رثائه محمد بن حميد الطوسي بقصيدته العجيبة، التي مطلعها:
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر ● فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذر
وكذلك مسلم بن الوليد الأنصاري الشاعر، ولاه الفضل بن سهل بريد جرجان القصة 276 من هذا الكتاب وعلي بن بسام، ولاه القاسم بن عبيد الله البريد بجند قنسرين مروج الذهب 2-546 وابن خرداذبه، ولاه المعتمد العباسي البريد والخبر بنواحي الجبل الأعلام 4-343 وكان أول أمر ابن عبدكان، شيخ الكتاب بمصر، أنه ولي البردي بدمشق وحمص، ثم كتب للطولونية بمصر، وتوفي سنة 270 الوافي بالوفيات 3-315 والأعلام 7-95، وأبو محمد عبد الرزاق بن الحسن الشاعر المعروف بابن أبي الثياب، ولي البريد ببخارى أخلاق الوزيرين 247 و 348 و 425.
ولا ينبغي أن تكون بين صاحب البريد، وبين الملك، واسطة، كما أنه ليس لأحد من الولاة، أو العمال، أو القادة، على صاحب البريد حكم، ولا سلطة، ورسائله ترد إلى الحضرة بأعجل السبل، وليس لأحد أن يفتحها، أو أن يؤخرها، أو أن يتعرض لها بكل وسيلة.
وللبريد، في الحضرة، ديوان خاص، يليه الثقة المؤتمن، يجمع صاحبه جميع الرسائل التي ترد من الأطراف، ويطالع بها فور وصولها.
والمقتضي أن يكون صاحب البريد مطلعاً على جميع الأخبار، في جميع الجهات، بحيث لا تخفى عليه خافية، قال الشاعر يهجو صاحب ديوان البريد ديوان البحتري 792:
دهـــتـــك بـــعـــلة الحمّام خـــود ● ومالت في الطريق: إلى سعيد
أرى أخـبـار بـيتـك عـنـك تـخفى ● فكـــيف ولـــيت ديوان الــبريد

● [ ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ] ●

قال المدائني في كتابه، وجاء به القاضي أبو الحسين في كتابه عن المدائني بغير إسناد، واللفظان متقاربان: إن أعرابية كانت تخدم نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت كثيراً ما تتمثل:
ويوم الوشاح مـن تـعـاجيب ربّنا ● ألا أنّه من ظلمة الكفر نجّاني
فقيل لها: إنك تكثرين من التمثل بهذا البيت، وإنا نظنه لأمر، فما هو، قالت: أجل، كنت عسيفة على قوم بالبادية.
قال مؤلف هذا الكتاب: العسيف: الأجير.
فوضعت جارية منهم وشاحاً، فمرت عقاب، فاختطفته ونحن لا ندري، ففقدنه، وقلن أين هو، أنت صاحبته، فحلفت، واعتذرت، فأبين قبول قولي وعذري، واستعدين بالرجال، فجاءوا ففتشوني، فلم يجدوا شيئاً.
فقال بعضهم: احتملته في فرجها.
فأرادوا أن يفتشوا فرجي، فما ظنكم بامرأة تخاف ذلك.
فلما خفت الشر، رفعت رأسي إلى السماء فقلت: يا رباه، أغثني، فمرت العقاب فطرحته بيننا، فندموا، وقالوا: ظلمنا المسكينة، وجعلوا يعتذرون إلي، فما وقعت في كربة إلا ذكرت ذلك، وهو يوم الوشاح، فرجوت الفرج.
حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني محمد بن الحجاج الضبي، قال: حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كانت امرأة تغشانا، تتمثل بهذا البيت:
ويوم الـسّـخاب من تعاجيب ربّـنا ● على أنّه من ظلمة الكفر نجّاني
فقالت لها أم سلمة: وذكر نحو ذلك. إلا أنه قال فيه: فقالت عجوز منهم لارعة لها فتشوا مالها، أي فرجها، فأشرفت على الفضيحة، فرفعت رأسي إلى السماء، فقلت: يا غياث المستغيثين، فما أتممتها، حتى جاء غراب فرمى السخاب بيننا، فلو رأيتهم يا أم المؤمنين وهم حوالي، يقولون: اجعلينا في حل، فنظمت ذلك في بيت، فأنا أنشده لئلا أنسى النعمة، فأترك شكرها.

● [ بين يحيى البرمكي والفضل بن الربيع ] ●

ذكر القاضي أبو الحسين في كتابه، قال: حدثني أبو الحسن محمد بن عبد الله بن الحسين بن سعد، عن أبيه عبد الله بن الحسين، قال: حدثني الحسين ابن نمير الخزاعي، قال: صار الفضل بن الربيع إلى الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي في حاجة له، فلم يرفع له رأساً، ولا قضى حاجته، فقام مغضباً، فلم يدع بدابته، ولا اكترث له، ثم أتبعه رجلاً، فقال: انظر ما يقول، فإن الرجل ينبىء عما في نفسه في ثلاثة مواضع إذا اضطجع على فراشه، وإذا خلا بعرسه، وإذا استوى على سرجه، قال الرجل: فاتبعته، فلما استوى على سرجه، عض على شفتيه، وقال:
عسى وعسى يثني الّزمان عنانه ● بدور زمــــان والّـــزمان يدور
فيعـقـب روعـات سروراً وغـبطة ● وتحدث مـن بعـد الأمور أمور
فلم يكن بين ذلك، وبين أن سخط الرشيد على البرامكة، واستوزر الفضل بن الربيع، إلا أياماً يسيرة.
وحدثني بهذا الخبر، أبي، على مثل هذا الإسناد، ولم أحفظه، لأني لم أكتبه عنه في الحال، فقال في البيت الأول:
عسى وعسى يثني الّزمان عنانه ● بعـثـرة دهر والّزمان عثور
وقال في البيت الثاني:
فتدرك حاجات وتقضى مـآرب ● وتحدث من بعد الأمور أمور
وزاد فيه أن الفضل بن يحيى بن خالد رده فقضى حوائجه.
وأخبرنيه محمد بن الحسن بن المظفر، قال: حدثني أبو بكر الصولي، عن ميمون بن هارون قال: حدثني الحسين بن نمير الخزاعي، وذكره، وقد دخل فيما أجازه لي الصولي.
وقرىء على أبي بكر الصولي بالبصرة، في كتابه كتاب الوزراء سنة خمس وثلاثين وثلثمائة، وأنا حاضر أسمع، قال: حدثنا أحمد بن يزيد بن محمد، يعني المهلبي، قال: حدثني أبي، عن إسحاق، قال: دخل الفضل بن الربيع على يحيى بن خالد، فلم يوسع له، ولا هش به، ثم قال: ما جاء بك يا أبا العباس، قال: رقاع معي. فرده عن جميعها، فوثب الفضل وهو يقول:
عسى وعسى يثني الّزمان عنانه ● بعـثـرة دهـــر والّـــزمان عثور
فتـــدرك آمـــال وتـــحوى رغائب ● وتحدث مـن بـعـد الأمور أمـور
فرده يحيى، ووقع له بجميع ما أراد.

● [ دعاء للشفاء من العلل ] ●

وأخبرني علي بن عبد الله الوراق، المعروف بابن أبي لؤلؤ، قال: حدثنا محمد بن جرير الطبري، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن عبد الرحمن بن علي، عن عبد الله بن جعفر: أن رجلاً أصابه مرض شديد، منعه من الطعام والشراب والنوم، فبينا هو ذات ليل ساهراً، إذ سمع وجبة شديدة في حجرته، فإذا هو كلام، فوعاه، فتكلم به، فبرأ مكنه، وهو: اللهم أنا عبدك، وبك أملي، فاجعل الشفاء في جسدي، واليقين في قلبي، والنور في بصري، والشكر في صدري، وذكرك بالليل والنهار - ما بقيت - على لساني، وارزقني منك، رزقاً غير محظور ولا ممنوع.

● [ تم الباب الثالث ] ●


مُختصر كتاب الفرج بعد الشدة
تأليف : القاضي التنوخي
مجلة توتة وحدوتة الإلكترونية . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو السبت 19 أغسطس 2017 - 19:13