بّسم الله الرّحمن الرّحيم
تاريخ المدينة المنورة
أول ساكني المدينة الشريفة

مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فهذا مختصر كتاب تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام ، تأليف الشيخ الإمام العلامة، حجة الإسلام والمسلمين، مفتي الأنام ببلد الله الأمين، قاضي القضاة، شيخ الإسلام، أبو البقاء محمد بهاء الدين بن الضياء المكي الحنفي القرشي العمري العدوي،
أول من نزل المدينة الشريفة
قال أهل السير: أول من نزل المدينة بعد الطوفان قوم يقال لهم صعل وفالح، فغزاهم داود عليه السلام فأخذ منهم مائة ألف عذراء، ثم سلط الله عليهم الدود في أعناقهم فهلكوا، فقبورهم هذه التي في السهل والجبل، وداود عليه السلام هو من ولد يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، بينه وبين يهوذا عشرة آباء، عاش مائة سنة، وقيل: مائة وأربعين، وقيل: سبعين، وكان يدعو إلى شريعة موسى عليه السلام لأن الزبور لم يكن فيه أحكام فكان خمسين ومائة سورة: في خمسين ذكر ما يلقون من بختنصر وأهل بابل، وفي خمسين ذكر ما يلقون من أهل إيرون، وفي خمسين مواعظ وحكم، وكان يقرأه بسبعين لحناً. وكل كتاب يكون غليظ الكتابة يقال له: زبور. وقيل: الزبور: كل كتاب يصعب الوقوف عليه من الكتب الإلهية. وقيل: الزبور: الكتاب المقصور على الحكمة الإلهية العقلية دون الأحكام الشرعية. ونزل عليه الزبور بالعبرانية، وكان مدة ملكه أربعين سنة، كان يبيع الدرع بأربعة آلاف وهو أول من عمل الدرع، قال الله تعالى: ( وألنا له الحديد ). الآية.
قال أهل السير: وكان سكنى العماليق غزة وعسقلان وساحل بحر الروم وما بين مصر وفلسطين ثم سكنوا مكة والمدينة والحجاز كله وعتوا، فبعث إليهم موسى جنداً من بني إسرائيل فقتلوهم. وعن زيد بن أسلم قال: بلغني أن ضبعاً رئيت وأولادها رابضة في حجاج عير رجل من العماليق قال: ولقد كان يمضي في ذلك الزمان أربعمائة سنة وما يسمع بجنازة، وكان جالوت من العماليق وكان عوج وأمه عناق من العماليق اللذين كانوا بأريحا.
عن ابن عمر قال: كان طول عوج ثلاثة وعشرين ألف ذراع وثلاثمائة وثلاثين ذراعاً وثلثي ذراع بذراع الملك، وعاش ثلاثة آلاف سنة، وأخذ إحدى بنات آدم لصلبه، وهي أول من تغنى على وجه الأرض فهلكت، كان كل إصبع من أصابعها ثلاثة أذرع في ذراعين، ولدت حواء على أثرها قابيل ثم هابيل.
قال ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث ": ومن العجب أن عوجاً كان في زمن موسى عليه السلام وله هذا الطول، وفرعون ضده في القصر على ما ذكره الحسن قال: ما كان طول فرعون إلا ذراعاً وكانت الحية ذراعاً. وقيل: كان طوله ذراعين، وكان لفرعون موسى من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال، فيها معادن الذهب والفضة والزبرجد والياقوت، طمس الله عليها فصارت حجارة؛ لقول موسى: "ربنا اطمس على أموالهم". وفرعون أول من خضب بالسواد.
سكنى اليهود الحجاز بعد العماليق
اعلم أن موسى عليه الصلاة والسلام لما أهلك فرعون وطئ الشام وأهلك من بها، وبعث بعثاً من اليهود إلى الحجاز وأمرهم أن لا يستبقوا من العماليق أحداً بلغ الحل، فقدموا فقتلوهم وقتلوا ملكهم وكان يقال له: الأرقم بن أبي الأرقم، واستحبوا ابناً له شاباً وقدموا به فقبض موسى عليه السلام قبل قدومهم، فتلقتهم بنو إسرائيل فوجدوا الغلام معهم، فقالوا لهم: إن هذه لمعصية منكم لما خالفتكم من أمر نبيكم، والله لا تدخلوا علينا بلادنا وحالوا بينهم وبين الشام فرجعوا فسكنوا الحجاز، وكانت الحجاز إذ ذاك أشجر بلاد الله وأطهرها، قالوا: وكان هذا أول سكنى اليهود الحجاز بعد العماليق، وكان جميعهم بزهرة بين الحرة والسافلة مما يلي القف، وكانت لهم الأموال بالسافلة، ونزل جمهور بمكان يقال له يثرب بمجتمع السيول سيل بطحان والعقيق وسيل قناة مما يلي زغابة، وخرجت قريظة وإخوتهم بنو هذل وهم بنو الخزرج والنضير بن النحام ابن الخزرج وقيل: قريظة والنضير أخوان وهما بنو أبناء الخزرج بن الصريخ فخرجوا بعد هؤلاء فتتبعوا آثارهم فنزلوا بالعالية على واديين يقال لهما: مذينب ومهرور، فنزلت بنو النضير على مذينب واتخذوا عليه الأموال، ونزلت قريظة وهذل على مهرور واتخذوا عليه الأموال، وكانوا أول من احتفر بها البنار واغترس الأموال وابتنى الآطام والنازل، فكان جميع ما ابتنى اليهود بالمدينة من الآطام تسعاً وخمسين أطماً، والآطام: الحصون واحدها أطم. قال الخطابي: هو بناء من الحجارة، ومثله الآجام والعياص. ثم نزل أحياء من العرب على يهود وذلك أنه كان بالمدينة قرى وأسواق من يهود بني إسرائيل وكان قد نزلها عليهم أحياء من العرب وابتنوا معهم الأطام والمنازل قبل نزول الأوس والخزرج وهم بنو أنيف حي من بلى، ويقال: إنهم لمن بقية العماليق وبنو مرثد حي من بلى، وبنو معاوية بن الحارث بن بهية من بني قيس بن عيلان، وبنو الجذمي حي من اليمن، وكان جميع ما ابتنى العرب من الآطام بالمدينة ثلاثة عشر أطماً.
نزول الأوس والخزرج المدينة
لم تزل اليهود الغالبة على المدينة حتى جاء سيل العرم، وكان منه ما كان وما قص الله في كتابه، وذلك أن أهل مأرب وهي أرض سبأ كانوا آمنين في بلادهم تخرج المرأة بمغزلها لا تتزود شيئاً تبيت في قرية وتقيل في أخرى حتى تأتي الشام، ولم يكن في أرضهم حية ولا عقرب ولا ما يؤذي، فبعث الله إليهم ثلاثة عشر نبياً فكذبوهم وقالوا: ( ربنا باعد بين أسفارنا ) فسلط الله عليهم سيل العرم وهو السبيل الشديد الذي لا يطاق وقيل: العرم اسم الوادي. وقيل: اسم المياه. وذلك أن الله بعث عليهم جرذاً يسمى الخلد والخلد هو الفأر الأعمى فنقب السد من أسفله حتى دخل السيل عليهم فغرقت أرضهم. وقيل: أرسل عليهم ماء أحمر فخرب السد وتمزق من سلم منهم في البلاد، وكان السد فرسخاً في فرسخ بناه لقمان الأكبر العادي للدهر على زعمه، وكان يجتمع إليه مياه اليمن من مسيرة شهر، وتقدم في الباب قبل هذا قضية طريفة الكاهنة وما قالت لقومها وأنها قالت لهم: من كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل. فلحق بها الأوس والخزرج فوجدوا الآطام والأموال والقوة لليهود فعاملوهم زماناً فصار لهم مالاً وعدداً، فمكث الأوس والخزرج معهم ما شاء الله ثم سألوهم أن يعقدوا بينهم وبينهم جواراً وحلفاً يأمن به بعضهم من بعض، ويمتنعون به ممن سواهم، فتعاقدوا وتحالفوا واشتركوا وتعاملوا، فلم يزالوا على ذلك زماناً طويلاً حتى قويت الأوس والخزرج وصار لهم مال وعدد فلما رأت قريظة والنضير حالهم خافوهم أن يغلبوهم على دورهم وأموالهم فتنمروا لهم حتى قطعوا الحلف الذي كان بينهم، وكانت قريظة والنضير أعز وأكثر فأقامت الأوس والخزرج في منازلهم وهم خائفون أن تجليهم يهود حتى نجم منهم مالك بن العجلان أخو بني سالم بن عوف بن الخزرج.

مختصر: تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام لابن الضياء